صديق الحسيني القنوجي البخاري

525

فتح البيان في مقاصد القرآن

والإخبار عن هذه بالتسخير وهو التذليل لما يراد منها من طلوع وغروب وسير ورجوع إذ ليس هن قادرات بأنفسهن ، وإنما يتصرفن على إرادة المدبر لهن على ما أراد منهن . أَلا أداة استفتاح و اللَّهُ خبر مقدم والمبتدأ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ إخبار منه سبحانه لعباده بأنهما له ، والخلق المخلوق والأمر كلامه ، وهو كن في قوله إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [ النحل : 40 ] أو المراد بالأمر ما يأمر به على التفصيل والتصرف في مخلوقاته . قال سفيان بن عيينة : الخلق ما دون العرش والأمر فوق ذلك . واستخرج من هذا المعنى أن كلام اللّه ليس بمخلوق لأنه فرق بين الخلق والأمر ومن جعل الأمر الذي هو كلامه من جملة ما خلقه فقد كفر . وفي الآية دليل على أنه لا خالق إلا اللّه ففيه رد على من يقول إن للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم فأخبر أنه هو الخالق المدبر لهذا العالم لا هن وله الأمر المطلق . وليس لأحد أمر غيره ، فهو الآمر والناهي الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد من خلقه عليه . تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي كثرت بركته واتسعت . ومنه بورك الشيء وبورك فيه كذا قال ابن عرفة ، وقال الأزهري معناه تعالى وتعاظم ، وقيل تمجد وارتفع ، وختم الآية بالثناء عليه لأنه هو المستحق للمدح المطلق ، وقال ابن عباس : معناها جاء بكل بركة ، وقيل تقدس وقيل باسمه يتبرك في كل شيء ، وقيل معناه ثبت ودام . وفي الجمل تبارك فعل ماض لا يتصرف أي لم يجئ منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل ، وقال الزجاج : تبارك من البركة ، وهي الكثرة في كل خير . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 55 ] ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 55 ) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً أمرهم اللّه سبحانه بالدعاء وقيد ذلك بكون الداعي متضرعا بدعائه مخفيا له أي متضرعين بالدعاء مخفين له . أو ادعوه دعاء تضرع ودعاء خفية ، وقيل الدعاء هنا بمعنى العبادة والأول أولى . والتضرع من الضراعة وهي الذلة والخشوع والاستكانة ، والخفية الإسرار به فإن ذلك أقطع لعرق الرياء وأحسم لمادة ما يخالف الإخلاص ، وقال الزجاج : تضرعا يعني تملقا ، وقال الحسن : بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا وقال تعالى : إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [ مريم : 3 ] . وعن أبي موسى الأشعري قال : كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا