صديق الحسيني القنوجي البخاري
516
فتح البيان في مقاصد القرآن
الجنة نادى مناد إن لكم أن تحيوا ولا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله عزّ وجلّ يعني هذه الآية « 1 » أخرجه مسلم . أُورِثْتُمُوها أعطيتموها بدلا من أهل النار ، وهو حال من الجنة ، وسماها ميراثا لأنها لا تستحق بالعمل بل هي محض فضل اللّه وعده على الطاعات كالميراث من الميت ليس بعوض عن شيء بل هو صلة خالصة حصلت لكم بلا تعب بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي أورثتم منازلها بعملكم قال في الكشاف بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقول المبطلة انتهى . أقول يا مسكين هذا قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما صح عنه : « سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول اللّه قال ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » « 2 » ، والتصريح بسبب لا يستلزم نفي سبب آخر ، ولولا التفضل من اللّه سبحانه وتعالى على العامل بإقداره على العمل لم يكن عمل أصلا ، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار لكان القائلون به محقة لا مبطلة . وفي التنزيل ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ [ النساء : 70 ] وفيه فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ [ النساء : 175 ] وفي فتح الباري المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول والمثبت في الآية دخولها بالعمل المتقبل والقبول إنما يحصل من اللّه تفضلا . وفي القرطبي وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته ودخلوها برحمته إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل منه عليهم انتهى . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 44 إلى 45 ] وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 44 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ( 45 ) وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، يقول أهل الجنة يا أهل النار ، وهذه المناداة لم تكن لقصد الأخبار لهم مما نادوهم به بل لقصد تبكيتهم وإيقاع الحسرة في قلوبهم أَنْ قَدْ وَجَدْنا هو نفس النداء أي إنا قد وصلنا إلى ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا أي ما وعدنا اللّه به من النعيم على ألسنة رسله فَهَلْ وَجَدْتُمْ أي وصلتم إلى ما وَعَدَ به رَبُّكُمْ حَقًّا أي من العذاب الأليم ، والاستفهام هو للتقريع والتوبيخ .
--> ( 1 ) أخرجه بلفظ قريب منه مسلم في الجنة حديث 42 ، 43 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 18 ، ومسلم في المنافقين حديث 71 - 73 ، 75 ، 76 ، 78 .