صديق الحسيني القنوجي البخاري

514

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقرأ ابن عباس الجمل بضم الجيم وفتح الميم مشددة وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس وهو حبال مجموعة قاله ثعلب ، وقيل الحبل الغليظ من القنب ، وقيل الحبل الذي يصعد به في النخل . وقرأ ابن مسعود حتى يلج الجمل الأصغر ، وقرىء سم بالحركات الثلاث لكن السبعة على الفتح والضم لغة لأهل العالية والكسر لغة لبني تميم وجمعه سمام ، وكل ثقب ضيق فهم سم ، وقيل كل ثقب في البدن أو أنف أو أذن فهو سم وجمعه سموم ، والسم القاتل سمي بذلك للطفه وتأثيره في مسام البدن حتى يصل إلى القلب ، وهو في الأصل مصدر ثم أريد به معنى الفاعل لدخوله باطن البدن والسم ثقب لطيف ومنه ثقب الإبرة . والخياط ما يخاط به يقال خياط ومخيط قاله الفراء ، والمراد به الإبرة في هذه الآية ، قال بعض أهل المعاني : لما علق اللّه دخولهم الجنة بولوج الجمل في سم الخياط وهو خرق الإبرة كان ذلك نفيا لدخولهم الجنة على التأبيد ، وذلك أن العرب إذا علقت ما يجوز كونه بما لا يجوز كونه استحال كون ذلك الجائز ، وهذا كقولك لا آتيك حتى يشيب الغراب ويبيض القار . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي جنس من أجرم وقد تقدم تحقيقه . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 41 إلى 42 ] لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 41 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 42 ) لَهُمْ أي للذين كذبوا واستكبروا فهذا بيان لجزاء آخر لهم غير الجزاء السابق مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ المهاد الفراش والغواش جمع غاشية أي نيران تحيط بهم من تحتهم وتغشاهم من فوقهم كالأغطية قاله ابن عباس : الغواش اللحف ، وبه قال القرظي والضحاك والسدي . وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ أي مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي من اتصف بصفة الظلم وذكر الجرم في حرمان الجنة والظلم في دخول النار تنبيها على أن الظلم أعظم الإجرام . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي صدقوا اللّه ورسوله وأقروا بما جاءهم من وحي اللّه وتنزيله عليه من شرائع دينه وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه في ذلك وتجنبوا ما نهاهم عنه . لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي لا نكلف العباد إلا بما يدخل تحت وسعهم ويقدرون عليه ولا نكلفهم ما لا يدخل تحت وسعهم ، وهذه الجملة معترضة بين