صديق الحسيني القنوجي البخاري

513

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 39 إلى 40 ] وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 39 ) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ( 40 ) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ أي قال السابقون للاحقين أو المتبوعين للتابعين مشافهة ومخاطبة لها فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا في الدنيا مِنْ فَضْلٍ بل نحن وأنتم سواء في الكفر باللّه واستحقاق عذابه وقد ضللتم كما ضللنا فهذا ردّ لقول الطائفة الأخرى هؤُلاءِ أَضَلُّونا قال مجاهد مِنْ فَضْلٍ تخفيف من العذاب . فَذُوقُوا الْعَذابَ النار كما ذقناه بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ من معاصي اللّه والكفر به والقائل لهذا القول القادة للأتباع أو الأمة الأولى للأخرى أو اللّه سبحانه . إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولم يصدقوا بها ولم يتبعوا رسلنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أي عن الإيمان والتصديق بها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ يعني أنها لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا وهي تفتح لأرواح المؤمنين ويصعد بروحهم إلى السماء السابعة ، وقد دل على هذا المعنى وأنه المراد من الآية ما جاء في الأحاديث الصحيحة أن الملائكة إذا انتهوا بروح الكفار إلى السماء الدنيا يستفتحون فلا تفتح لهم أبواب السماء ، وقيل لا تفتح أبواب السماء لأدعيتهم إذا دعوا قاله مجاهد والنخعي ، وقيل لأعمالهم أي لا تقبل بل تردّ عليهم فيضرب بها في وجوههم . وقيل المعنى أنها لا تفتح لهم أبواب الجنة يدخلونها لأن الجنة في السماء وعلى هذا العطف بجملة ولا يدخلون الجنة الآتية يكون من عطف التفسير ، ولا مانع من حمل الآية على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال ، ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من هذه فإن ذلك لا يدل على عدم فتحها لغيره مما يدخل تحت عموم الآية . وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أي هؤلاء الكفار المكذبون المستكبرون لا يدخلونها بحال من الأحوال ولهذا علقه بالمستحيل وقال حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ الولوج الدخول بشدة وخص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات لكونه يضرب به المثل في كبر الذات وعظم الجرم عند العرب ، فجسمه من أعظم الأجسام ، وخص سم الخياط وهو ثقب الإبرة بالذكر لكونه غاية في الضيق وأضيق المنافذ ، وهو لا يحل فيه أبدا فثبت أن الموقوف على المحال محال ، فوجب بهذا الاعتبار أن دخول الكفار الجنة مأيوس منه قطعا ، والجمل الذكر من الإبل ، والجمع جمال وأجمال وجمالات ، وإنما يسمى جملا إذا أربع .