صديق الحسيني القنوجي البخاري
512
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعدادهم ، وقيل هو قول مالك خازن النار ، والظاهر أن هذه الحال منتظرة إذ مصيرهم في غمار الأمم إنما هو بعد تمام الدخول ، وذلك لأن الأمم المذكورة قد سبقتهم في الدخول فلا يصيرون في غمارها إلا بعد الدخول . والمراد بالأمم الخالية مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ هم الكفار من الطائفتين من الأمم الماضية وأهل الملل فِي النَّارِ أي التي هي مستقركم ومأواكم كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ من الأمم الماضية النار لَعَنَتْ أُخْتَها أي الأمة الأخرى التي سبقتها إلى النار ، وجعلت أختا لها باعتبار الدين أو الضلالة أو الكون في النار . قال السدي : يلعن المشركون المشركين واليهود اليهود ، والنصارى النصارى ، والصابئون الصابئين ، والمجوس المجوس ، تلعن الآخرة الأولى . حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً التدارك التلاحق والتتابع والاجماع في النار قالَتْ أُخْراهُمْ دخولا لِأُولاهُمْ أي لأجلهم يعني قال آخر كل أمة لأولها واللام للتعليل ولا يجوز أن تكون للتبليغ . قال الزمخشري : لأن خطابهم مع اللّه لا معهم ، وقد بسط القول قبله في ذلك الزجاج وقيل هي للتبليغ وخطابهم معهم بدليل قوله فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [ الأعراف : 39 ] . قال السدي : قالت أخراهم الذين كانوا في آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم في ذلك الدين ، وقيل أخراهم أي سفلتهم وأتباعهم لأولاهم لرؤسائهم وكبارهم قاله مقاتل وهذا أولى كما يدل عليه . رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا عن الهدى فإن المضلين هم الرؤساء ، ويجوز أن يراد أنهم أضلوهم لأنهم اتبعوهم واقتدوا هم بدينهم من بعدهم فيصح الوجه الأول لأن أخراهم تبعت دين أولاهم . فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ الضعف الزائد على مثله مرة أو مرات ، ومثله قوله تعالى رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [ الأحزاب : 68 ] وقيل الضعف هنا الأفاعي والحيات ، وقال أبو عبيدة الضعف مثل الشيء مرة واحدة . قال الزهري : والذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاري كلامهم وأما كتاب اللّه فهو عربي مبين فيرد تفسيره إلى موضوع كلام العرب ، والضعف في كلامهم ما زاد ، وليس بمقصور على مثلين بل أقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور ، وقال الزجاج : ضعفا أي مضاعفا يعني تضعيف الشيء وزيادته إلى ما لا ينتهي . قالَ لِكُلٍّ أي لكل طائفة منكم ضِعْفٌ من العذاب أما القادة فبكفرهم وتضليلهم ، وأما الأتباع فبكفرهم وتقليدهم قاله الكرخي . وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ بما لكل فريق من نوع العذاب .