صديق الحسيني القنوجي البخاري

51

فتح البيان في مقاصد القرآن

ولو كانت مزوجة وينفسخ النكاح الذي كان عليها بخروجها عن ملك سيدها الذي زوجها ، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي كتب ذلك كتابا وفرضه فرضا ، وقيل الزموا كتاب اللّه أو عليكم كتاب اللّه ، وروي عن عبيدة السلماني أن قوله هذا إشارة إلى قوله تعالى : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [ النساء : 3 ] وهو بعيد جدا . بل هو إشارة إلى التحريم المذكور في قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ إلى آخر الآية . وفي قوله : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ دلالة على أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات ، وهذا عام مخصوص بما صح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها ، ومن ذلك نكاح المعتدة ، ومن ذلك أن من كان في نكاحه حرة لا يجوز له نكاح الأمة ، ومن ذلك القادر على الحرة لا يجوز له نكاح الأمة ، ومن ذلك من عنده أربع زوجات لا يجوز له نكاح خامسة ، ومن ذلك الملاعنة فإنها محرمة على الملاعن أبدا . وقيل لا حاجة للتنبيه على هذا في التحريم على التأبيد ، وما ذكره من الأقسام لا يحرم مؤبدا بل لعارض يزول . نعم يظهر ما قالوه في الملاعنة لأن تحريمها مؤبّد ، وقد أبعد من قال إن تحريم الجمع بين المذكورات مأخوذ من الآية هذه لأنه حرم الجمع بين الأختين فيكون ما في معناه في حكمه ، وهو الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها ، وكذلك يحرم نكاح الأمة لمن يستطيع نكاح حرّة فإنه يخصص هذا العموم . لأجل أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ النساء اللاتي أحلهن اللّه لكم ولا تبتغوا بها الحرام فتذهب ، وقيل هو بدل من ما في قوله : ما وَراءَ ذلِكُمْ والأول أولى . وأراد سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء مُحْصِنِينَ الإحصان العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم والعقاب أي حال كونكم متزوجين ومتسّرين متعفّفين عن الزنا غَيْرَ مُسافِحِينَ أي غير زانين ؛ والسفاح الزنا وهو مأخوذ من سفح الماء أي صبه وسيلانه ، فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأموالهم النساء على وجه النكاح لا على وجه السفاح . فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قد اختلف أهل العلم في معنى الآية فقال الحسن ومجاهد وغيرهما : فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الشرعي ، وعلى هذا فالآية واردة في النكاح الصحيح وأن الزوج متى وطئها ولو مرة وجب عليه مهرها المسمى أو مهر المثل ، ولكن يرد على هذا أنها تتكرر مع قوله سابقا وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ [ النساء : 4 ] وقال الجمهور : إن المراد بهذه الآية نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام حيث كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما ليلة أو ليلتين أو أسبوعا