صديق الحسيني القنوجي البخاري

52

فتح البيان في مقاصد القرآن

بثوب أو غيره ويقضي منها وطره ثم يسرحها ، ويؤيد ذلك قراءة أبيّ بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى [ النساء : 24 ] ثم نهى عنه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كما صح ذلك من حديث علي قال : نهى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر « 1 » ، وهو في الصحيحين وغيرهما . وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن المعبد الجهني عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة : « يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء ، واللّه قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا » « 2 » ، وفي لفظ لمسلم أن ذلك كان في حجة الوداع ، فهذا هو الناسخ ، وقال سعيد بن جبير نسختها آية الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها . وقالت عائشة والقاسم بن محمد تحريمها ونسخها في القرآن ، وذلك قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [ المؤمنون : 5 ، 6 ] وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم ولا ما ملكت أيمانهم ، فإن من شأن الزوجة أن ترث وتورث ، وليست المستمتع بها كذلك والأحاديث في تحليل المتعة ثم تحريمها وهل كان نسخها مرة أو مرتين مذكورة في كتب الحديث ، وقد روي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة وأنها باقية لم تنسخ ، وروي عنه أنه رجع عن ذلك عند أن بلغه الناسخ ، وقد قال بجوازها جماعة من الروافض ، ولا اعتبار بأقوالهم ، وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسألة وتقوية ما قاله المجوزون لها ، وليس هذا المقام مقام بيان بطلان كلامه ، وقد طوّل الشوكاني البحث ودفع الشبهة الباطلة التي تمسك بها المجوزون لها في شرحه للمنتقى فليرجع إليه . وقال ابن العربي : وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة لأنها أبيحت في صدر الإسلام ثم حرمت يوم خيبر ثم أبيحت في غزوة أوطاس ثم حرمت بعد ذلك ، واستقر الأمر على التحريم ، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة ، فإن النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت حكاه القرطبي عنه .

--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في المغازي باب 38 ، والذبائح باب 28 ، والنكاح باب 31 ، ومسلم في النكاح حديث 25 - 30 ، 32 ، والصيد حديث 23 ، والترمذي في النكاح باب 28 ، والأطعمة باب 6 ، والنسائي في النكاح باب 71 ، والصيد باب 31 ، وابن ماجة في النكاح باب 44 ، والدارمي في الأضاحي باب 21 ، والنكاح باب 16 ، ومالك في النكاح حديث 41 ، وأحمد في المسند 1 / 79 ، 3 / 404 ، 405 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الاستمتاع حديث 22 ، وابن ماجة في النكاح باب 44 ، والدارمي في النكاح باب 16 ، وأحمد في المسند 3 / 406 .