صديق الحسيني القنوجي البخاري
509
فتح البيان في مقاصد القرآن
مقاتلته على ذلك ، وأن العباد يعمل منهم من يعمل بما تعبدهم اللّه به بعد بعثة رسله إليهم وإنزال كتبه عليهم . قلنا لهم : فعليكم أن تقولوا هكذا في الدعاء وفي أعمال الخير وفي صلة الرحم ولا نطلب منكم إلا هذا ، ولا نريد منكم غيره وحينئذ قد دخلتم إلى الوفاق من طريق قريبة ، فعلام هذا الجدال الطويل العريض واللجاج الكبير الكثير فإنا لا نقول إلا أن اللّه سبحانه قد علم في سابق علمه أن فلانا يطول عمره إذا وصل رحمه . وأن فلانا يحصل له من الخير كذا ويندفع عنه من الشر كذا إذا دعا ربه وأن هذه المسببات مترتبة على حصول أسبابها ، وهذه المشروطات مقيدة بحصول شروطها . وحينئذ فارجعوا إلى ما قدمنا ذكره من الجمع بين ما تقدم من الأدلة واستريحوا من التعب ، فإنه لم يبق بيننا وبينكم خلاف من هذه الحيثية ، وقد كان الصحابة مثل عمر بن الخطاب وعبد اللّه بن مسعود وأبي وائل وعبد اللّه بن عمر يدعون اللّه عزّ وجلّ بأن يثبتهم في أهل السعادة إن كانوا قد كتبوا من أهل الشقاوة كما قدمنا ، وهم أعلم باللّه سبحانه وبما يجب له ويجوز عليه . وقال كعب الأحبار حين طعن عمر وحضرته الوفاة : واللّه لو دعا اللّه عمر أن يؤخر أجله لأخره فقيل له إن ربه عزّ وجلّ يقول فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] فقال هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص ، وقرأ قوله تعالى وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [ فاطر : 11 ] . ثم قد علمنا من أهل الإسلام سابقهم ولاحقهم سيما الصالحين منهم أنهم يدعون اللّه عزّ وجلّ فيستجيب لهم ويحصل لهم ما طلبوه من المطالب المختلفة بعد أن كانوا فاقدين لها ، ومنهم من يدعو لمريض قد أشرف على الموت بأن يشفيه اللّه فيعافى في الحال ، ومنهم من يدعو على فاجر بأن يهلكه اللّه فيهلك في الحال . ومن شك في شيء من هذا فليطالع الكتب الصحيحة في أخبار الصالحين كحلية أبي نعيم وصفوة الصفوة لابن الجوزي ، ورسالة القشيري فإنه يجد من هذا القبيل ما ينشرح له صدره ويثلج به قلبه ، بل لكل إنسان إذا حقق حال نفسه ونظر في دعائه لربه عند عروض الشدائد وإجابته له وتفريجه عنه ما يغنيه عن البحث عن حال غيره إذا كان من المعتبرين المفكرين . وهذا نبي اللّه المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام كان يحيي الموتى بإذن اللّه ويشفي المرضى بدعائه ، وهذا معلوم عنه حسبما أخبرنا اللّه سبحانه في كتابه الكريم ، وفي الإنجيل من القصص المتضمنة لإحياء الموتى منه وشفاء المرضى بدعائه ما يعرفه من اطلع عليه .