صديق الحسيني القنوجي البخاري
510
فتح البيان في مقاصد القرآن
وبالجملة فهؤلاء الغلاة الذين قالوا إنه لا يقع من اللّه عزّ وجلّ إلا ما قد سبق به القلم وأن ذلك لا يتحول ولا يتبدل ولا يؤثر فيه دعاء ولا عمل صالح ، قد خالفوا ما قدمنا من آيات الكتاب العزيز ومن الأحاديث النبوية الصحيحة من غير ملجىء إلى ذلك ، فقد أمكن الجمع بما قدمناه وهو متعين ، وتقديم الجمع على الترجيح متفق عليه ، وهو الحق . وقد قابل هؤلاء بضد قولهم القدرية وهم معبد الجهني وأصحابه فإنهم قالوا : إن الأمر أنف أي مستأنف وقالوا : إن اللّه لا يعلم بالجزئيات إلا عند وقوعها تعالى اللّه عن ذلك ، وهذا قول باطل يخالف كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم وإجماع المسلمين . وقد تبرأ من مقالة معبد هذه وأصحابه من أدركهم من الصحابة منهم ابن عمر كما ثبت ذلك في الصحيح وقد غلط من ينسب مقالتهم هذه إلى المعتزلة فإنه لم يقل بها أحد منهم قط وكتبهم مصرحة بهذا ناطقة به ، ولا حاجة لنا إلى نقل مقالات الرجال فقد قدمنا من أدلة الكتاب والسنة والجمع بينهما ما يكفي المنصف ويريحه من الأبحاث الطويلة العريضة الواقعة في هذه المسألة ، ومن الإلزامات التي ألزم بها بعض القائلين البعض الآخر ، ودين اللّه سبحانه بين المفرط والغالي وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية واللّه ولي التوفيق . يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي « إن » هي الشرطية وما زائدة للتوكيد ، والقصص قد تقدم معناه والمعنى إن أتاكم رسل كائنون منكم ومن جنسكم يخبرونكم بأحكامي ويبينونها لكم ، وقيل المراد بالرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وذكره بلفظ الجمع للتعظيم ، والخطاب لأهل مكة ومن يلحق بهم ، وقيل أراد جميع الرسل ، والخطاب عام في كل بني آدم وهو ظاهر الآية . فَمَنِ اتَّقى الشرك ومعاصي اللّه وَأَصْلَحَ حال نفسه باتباع الرسل وإجابتهم فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يوم القيامة وقد تقدم تفسيره مرارا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 36 إلى 37 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 36 ) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 37 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا التي يقصها عليهم رسلنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أي عن إجابتها والعمل بما فيها ف أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لا يخرجون منها أبدا بسبب كفرهم بتكذيب الآيات والرسل .