صديق الحسيني القنوجي البخاري
504
فتح البيان في مقاصد القرآن
الأزلي لكان أمره عزّ وجلّ لغوا لا فائدة فيه ، وكذلك وعده بالإجابة للعباد الداعين له ، وهكذا يكون ما ثبت في الأحاديث المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء وأنه عبادة لغوا لا فائدة فيه . وهكذا يكون استعاذته صلى اللّه عليه وسلم من سوء القضاء لغوا لا فائدة فيه ، وهكذا يكون قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « وقني شر ما قضيت » لغوا لا فائدة فيه . وهكذا يكون أمره صلى اللّه عليه وآله وسلم بالتداوي « 1 » وأن اللّه سبحانه ما أنزل من داء إلا وجعل له دواء لغوا لا فائدة فيه مع ثبوت الأمر بالتداوي في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم . فإن قلت فعلام يحمل ما تقدم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر . قلت قد أجاب عن ذلك بعض السلف وتبعه بعض الخلف بأن هذه الآية مختصة بالأجل إذا حضر فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره ، ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك فإنه قال فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ ومثل هذا التقييد المذكور في هذه الآية قوله عزّ وجلّ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [ المنافقون : 11 ] وقوله سبحانه إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ [ نوح : 4 ] . فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى ، فإذا حضر الأجل لم يتأخر ولا يتقدم ، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخره اللّه بالدعاء أو بصلة الرحم أو بفعل الخير ، ويجوز أن يقدمه لمن عمل شرا أو قطع ما أمر اللّه به أن يوصل أو انتهك محارم اللّه سبحانه . فإن قلت : فعلام يحمل قوله عزّ وجلّ ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [ الحديد : 22 ] وقوله سبحانه قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ التوبة : 51 ] وكذلك سائر ما ورد في هذا المعنى . قلت : هذه أولا معارضة بمثلها وذلك قوله عزّ وجلّ وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ] ومثل ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح القدسي : « يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه » « 2 » . وثانيا بإمكان الجمع بحمل مثل قوله إِلَّا فِي كِتابٍ [ الأنعام : 59 ] وقوله لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ التوبة : 51 ] على عدم التسبيب من العبد بأسباب الخير
--> ( 1 ) لفظ الحديث : « يا عباد اللّه تداووا » . أخرجه الترمذي في الطب باب 2 ، وأبو داود في الطب باب 1 ، 11 ، وابن ماجة في الطب باب 1 ، وأحمد في المسند 3 / 156 ، 4 / 278 . ( 2 ) أخرجه مسلم في البر حديث 55 .