صديق الحسيني القنوجي البخاري
505
فتح البيان في مقاصد القرآن
من الدعاء وسائر أفعال الخير ، وحمل ما ورد فيما يخالف ذلك على وقوع التسبيب بأسباب الخير الموجبة بحسن القضاء واندفاع شره ، وعلى وقوع التسبيب بأسباب الشر المقتضية لإصابة المكروه ووقوعه على العبد . وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة بسبق القضاء ، وإنه قد فرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة ، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنها تزيد في العمر ، وكذلك سائر أعمال الخير وكذلك الدعاء ، فيحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشر ، وتحمل الأحاديث الآخرة على أنه قد وقع من العبد التسبيب بأسباب الخير من الدعاء والعمل الصالح وصلة الرحم أو التسبب بأسباب الشر . فإن قلت قد تقرر بالأدلة من الكتاب والسنة بأن عمله عزّ وجلّ أزلي وأنه قد سبق في كل شيء ولا يصح أن يقدر وقوع غير ما قد علمه ، وإلا انقلب العلم جهلا وذلك لا يجوز اجماعا . قلت : علمه عزّ وجلّ سابق أزلي وقد علم ما يكون قبل أن يكون ، ولا خلاف بين أهل الحق من هذه الحيثية ولكنه غلا قوم فأبطلوا فائدة ما ثبت في الكتاب والسنة من الإرشاد إلى الدعاء وأنه يرد القضاء وما ورد من الاستعاذة منه صلى اللّه عليه وسلم من سوء القضاء ، وما ورد من أنه يصاب العبد بذنبه وبما كسبت يده ونحو ذلك مما جاءت به الأدلة الصحيحة ، وجعلوه مخالفا لسبق العلم ورتبوا عليه أنه يلزم انقلاب العلم جهلا . والأمر أوسع من هذا ، والذي جاءنا بسبق العلم وأزليته هو الذي جاءنا بالأمر بالدعاء والأمر بالدواء وعرفنا بأن صلة الرحم تزيد في العمر ، وأن الأعمال الصالحة تزيد فيه أيضا وأن أعمال الشر تمحقه ، وأن العبد يصاب بذنبه كما يصل إلى الخير ويندفع عنه الشر بكسب الخير والتلبس بأسبابه فأعمال بعض ما ورد في الكتاب والسنة وإهمال البعض الآخر ليس كما ينبغي ، فإن الكل ثابت عن اللّه عزّ وجلّ وعن رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، والكل شريعة واضحة وطريقة مستقيمة ، والجمع ممكن بما لا إهمال فيه بشيء من الأدلة . وبيان أن اللّه سبحانه كما علم أن العبد يكون له من العمر كذا أو من الرزق كذا أو هو من أهل السعادة أو الشقاوة ، قد علم أنه إذا وصل رحمه زاد له في الأجل كذا أو بسط له من الرزق كذا أو صار من أهل السعادة بعد أن كان من أهل الشقاوة أو صار من أهل الشقاوة بعد أن كان من أهل السعادة ، وهكذا قد علم ما يقتضيه للعبد كما علم أنه إذا دعاه واستغاث به والتجأ إليه صرف عنه الشر ، ودفع عنه المكروه . وليس في ذلك خلف ولا مخالفة لسبق العلم بل فيه تقييد المسببات بأسبابها ، كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب ، وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر .