صديق الحسيني القنوجي البخاري
488
فتح البيان في مقاصد القرآن
الفاحش ، قال وهل يجوز أن يتوهم على آدم عليه السلام أنه يصل إلى أكثر من ملك الجنة وهي غاية الطالبين ، وإنما معنى وملك لا يبلى المقام في ملك الجنة والخلود فيه . وَقاسَمَهُما أي حلف لهما يقال أقسم إقساما أي حلف وصيغة المفاعلة وإن كانت في الأصل تدل على المشاركة فقد جاءت كثيرا لغير ذلك وقد قدمنا تحقيق هذا في المائدة والمراد بها هنا المبالغة في صدور الإقسام لهما من إبليس . إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ في ذلك قيل : أنهما أقسما له بالقبول كما أقسم لهما على المناصحة ، قال قتادة : حلف لهما باللّه حتى خداعهما وقد يخدع المؤمن باللّه فقال : إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 22 إلى 23 ] فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 22 ) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ أي مناهما ، والتدلية والإدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل يقال أدلى دلوه أرسلها والمعنى أنه أهبطهما بذلك من الرتبة العلية إلى الأكل من الشجرة أو من السماء إلى الأرض ، وقيل معناه أوقعهما في الهلاك وقيل خدعهما ، وقيل دلاهما من الدالة وهي الجرأة أي جرأهما على المعصية فخرجا من الجنة . فَلَمَّا ذاقَا أي طعما الشجرة بَدَتْ ظهرت لَهُما سَوْآتُهُما عوراتهما أي ظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره بسبب زوال ما كان ساترا لها وهو تقلص النور الذي كان عليها ، قال ابن عباس تهافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه وكانا لا يريان ذلك . وقال قتادة : كان لباسهما ظفرا كله فقشط عنهما أي غطاء على الجسد من جنس الأظفار في اليدين والرجلين تذكرة وزينة وانتفاعا . وقبل كان من ثياب الجنة وهذا أقرب لأن إطلاق اللباس يتبادر فيه . وقال مجاهد : كان لباسهما التقوى وقد تقدم في البقرة وفيه دليل على أنهما تناولا اليسير من ذلك قصدا إلى معرفة طعمه لأن الذوق يدل على الأكل اليسير . وَطَفِقا طفق يفعل كذا شرع يفعل كذا ، وحكى الأخفش طفق يطفق مثل ضرب يضرب أي شرعا أو جعلا وأقبلا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ قيل من التين ، وقيل من الموز ، قرأ الزهري يخصفان من أخصف ، وقرأ الجمهور يَخْصِفانِ من خصف ، والمعنى أنهما أخذا يقطعان الورق ويلزقانه بعورتهما ليستراها من خصف النعل إذا جعله طبقة فوق طبقة .