صديق الحسيني القنوجي البخاري

489

فتح البيان في مقاصد القرآن

عن عكرمة قال : كان لباس كل دابة منها ولباس الإنسان الظفر فأدركت آدم التوبة عند ظفره ، وقال ابن عباس : كان لباس آدم وحواء كالظفر فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما إلا مثل الظفر وطفقا ينزعان ورق التين فيجعلانه على سؤآتهما ، وعنه قال لما سكن آدم الجنة كساه سربالا من الظفر فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال فبقي في أطراف أصابعه . وعن أنس بن مالك قال : كان لباس آدم في الجنة الياقوت فلما عصى قلص فصار الظفر ، وقال مجاهد : يخصفان يرقعان كهيئة الثوب ، وفي الآية دليل على أن كشف العورة من ابن آدم قبيح ، ألا ترى إنهما بادرا إلى ستر العورة لما تقرر في عقلهما من قبح كشفها . وَناداهُما رَبُّهُما قائلا لهما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ التي نهيتكما عن أكلها ، وهذا عتاب من اللّه تعالى لهما وتوبيخ حيث لم يحذرا ما حذرهما منه والاستفهام للتقرير وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ أي مظهر للعداوة بترك السجود حسدا وبغيا كما قال في سورة طه فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ [ طه : 117 ] الآية ، قال السدي : قال آدم إنه حلف لي بك ولم أكن أعلم أن أحدا من خلقك يحلف بك إلا صادقا . قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا جملة مستأنفة مبنية على تقدير سؤال ، كأنه قيل فماذا قالا وهذا اعتراف منهما بالذنب وإنهما ظلما أنفسهما بما وقع بهما من المخالفة ثم قالا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا أي تستر علينا ذنبنا وَتَرْحَمْنا أي تتفضل علينا برحمتك لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ أي الهالكين ، قال الحسن : هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه ، وعن الضحاك مثله وقد استدل بهذا على صدور الذنب من الأنبياء وقد تقدم الكلام عليه فيما مضى . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 24 إلى 26 ] قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 24 ) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ ( 25 ) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 26 ) قالَ اهْبِطُوا استئناف كالتي قبلها والخطاب لآدم وحواء وذريتهما أو لهما ولإبليس قاله الرازي ، وقيل لهم وللحية قاله الطبري وبه قال السدي : والمعنى اهبطوا من السماء إلى الأرض بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أي متعادين يعاديهما إبليس ويعادياه وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي موضع استقرار وهو المكان الذي يعيش فيه الإنسان وقال ابن عباس : يعني القبور عَدُوٌّ لكم فيها مَتاعٌ تتمتعون به في الدنيا وتنتفعون به من المطعم والمشرب ونحوهما إِلى حِينٍ إلى وقت موتكم وقيل إلى انقطاع الدنيا وقال ابن عباس إلى يوم القيامة .