صديق الحسيني القنوجي البخاري

487

فتح البيان في مقاصد القرآن

لِيُبْدِيَ أي ليظهر لَهُمَا اللام للعاقبة كما في قوله لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] وقيل هي لام كي أي فعل ذلك ليتعقبه الإبداء أو لكي يقع الإبداء ، ويصح أن تكون للعلة والغرض لجواز أن يكون ظهور سؤآتهما زيادة على وقوعهما في المعصية . ما وُورِيَ أي ستر وغطي ، فوعل من المواراة عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما سمي الفرج منهما سوأة لأن ظهوره وانكشافه يسوء صاحبه ويحزنه أراد الشيطان أن يسوءهما بظهور ما كان مستورا عنهما من عوراتهما فإنهما كانا لا يريان عوراتهما ولا يراها أحدهما من الآخر ، قيل إنما بدت لهما لا لغيرهما وكان عليهما نور يمنع من رأيتهما فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما ، وفي الآية دليل على أن كشف العورة من المنكرات المحرمات وأنه لم يزل مستقبحا في الطباع والعقول . وَقالَ الشيطان لآدم وحواء ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ أي عن الأكل منها إِلَّا كراهة أَنْ تَكُونا هكذا قاله البصريون وقال الكوفيون : التقدير لئلا تكونا والاستثناء مفرغ وهو مفعول من أجله مَلَكَيْنِ من الملائكة تعلمان الخير والشر وتستغنيان عن الغذاء أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ في الجنة أو من الذين لا يموتون قال ابن عباس : فإن أخطأ كما أن تكونا ملكين لم يخطئكما أن تكونا من الخالدين فلا تموتان فيها أبدا . قال النحاس : فضل الملائكة على جميع الخلق في غير موضع من القرآن فمنها هذا ومنها وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [ هود : 31 ] ومنها وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [ النساء : 172 ] . وقال ابن فورك : لا حجة في هذه الآية لأنه يحتمل أن يراد ملكين في أن لا يكون لهما شهوة في الطعام . وقيل لطول أعمارهم لا لأنهم أفضل منه حتى يلتحق بهم في الفضل فذلك بمعزل عن الدلالة على أفضلية الملائكة عليه ، فليس في الآية دليل عليها وبنحوه قال أبو السعود . وقد اختلف الناس في هذه المسألة اختلافا كثيرا وأطالوا الكلام في غير طائل ، وليست هذه المسألة مما كلفنا اللّه بعلمه فالكلام فيها لا يعنينا . وقرىء ملكين وأنكر أبو عمرو بن العلاء هذه القراءة وقال ولم يكن قبل آدم ملك فيصيرا ملكين ، وقد احتج من قرأ بالكسر بقوله تعالى هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [ طه : 120 ] قال أبو عبيدة : هذه حجة بينة لقراءة الكسر ولكن الناس على تركها فلهذا تركناها . قال النحاس : هذه قراءة شاذة وأنكر على أبي عبيدة هذا الكلام وجعله من الخطأ