صديق الحسيني القنوجي البخاري

486

فتح البيان في مقاصد القرآن

الجواب للقسم المحذوف أي مهدته له ، وتسمى أيضا المؤذنة لأنها تؤذن بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي من بني آدم وجواب القسم لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ وقيل اللام الأولى للتأكيد والابتداء وهذه لام القسم والأول أولى ، وفي هذا الجواب من التهديد ما لا يقادر قدره مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ أي منك ومنهم ، وفيه تغليب الحاضر وهو إبليس على الغائب وهو الناس . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 19 إلى 21 ] وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 19 ) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ( 20 ) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 21 ) وَ قلنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ قال له هذا القول بعد إخراج إبليس من الجنة أو من السماء أو من بين الملائكة والمعنى اتخذها مسكنا وتخصيص الخطاب بآدم للإيذان بأصالته في تلقي الوحي وتعاطي المأمور به . واختلفوا في خلق حواء فقال ابن إسحاق خلقت قبل دخول آدم الجنة وهو ظاهر هذه الآية وقيل بعد دخول الجنة وقيل الخطاب للمعدوم لوجوده في علم اللّه . فَكُلا مِنْ حَيْثُ أي من أي نوع من أنواع الجنة شِئْتُما أكله ومثله ما تقدم من قوله تعالى وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما [ البقرة : 35 ] وقال أبو السعود حيث ظرف مكان أي فكلا من ثمارها في أي مكان شئتما الأكل فيه ، وقال هناك بالواو وهنا بالفاء . قال الرازي : إن الواو تفيد الجمع المطلق والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب ، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو ، ولا منافاة بينهما ففي البقرة ذكر الجنس وهنا ذكر النوع . وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ تقدم الكلام على هذا في البقرة مستوفى فَتَكُونا أي فتصيرا مِنَ الظَّالِمِينَ لأنفسكما أي العاصين للّه تعالى . فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ الوسوسة الصوت الخفي وحديث النفس يقال وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا بكسر الواو ، والوسوسة بالفتح الاسم مثل الزلزلة والزلزال ، ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلى وسواس والوسواس اسم الشيطان . ومعنى وسوس له وسوس إليه أو فعل الوسوسة لأجله ، قال الحسن : كان يوسوس في الأرض إلى السماء ثم الجنة بالقوة القوية التي جعلها اللّه تعالى له . وقال أبو مسلم الأصبهاني : بل كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت في الأرض ، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحت ذكره ، والذي يقوله بعض الناس : إن إبليس دخل في جوف الحية وهي دخلت به إلى الجنة فهو قصة ركيكة .