صديق الحسيني القنوجي البخاري

478

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بالحسنات فضلا من اللّه ، الفاء للتفصيل والموازين جمع ميزان وثقل الموازين هذا يكون بثقل ما وضع فيها من صحائف الأعمال وقيل : إن الموازين جمع موزون أي فمن رجحت أعماله الموزونة والأول أولى ، وظاهر جمع الموازين المضافة إلى العامل أن لكل واحد من العاملين موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله . وقيل هو ميزان واحد عبر عنه بلفظ الجمع كما يقال : خرج فلان إلى مكة على البغال وقيل إنما جمعه لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهين واللسان ولا يتم الوزن إلا باجتماع ذلك كله . فَأُولئِكَ إشارة إلى مَنْ والجمع باعتبار معناه كما رجع إليه ضمير موازينه باعتبار لفظه هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الناجون غدا والفائزون بثواب اللّه وجزائه ومثله الكلام في قوله وَمَنْ خَفَّتْ بالسيئآت عدلا مَوازِينُهُ والمراد موازين أعماله وهم الكفار بدليل قوله فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي غبنوا حظوظها من جزيل ثواب اللّه وكرامته ، والباء في بِما كانُوا سببية بِآياتِنا يَظْلِمُونَ أي يكذبون ويجحدونها . وهذا الوزن للمسلمين عند الأكثر ، وأما الكفار فتحبط أعمالهم على أحد الوجهين في تفسير قوله تعالى فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً [ الكهف : 105 ] وقيل إنها توزن أيضا وإن لم تكن راجحة ليخفف بها لهم العذاب عنهم ، وهو ظاهر النظم ، وبقي من تساوت حسناته وسيآته مسكوتا عنه وهم أهل الأعراف على قول ، وقد يدرج في القسم الأول لقوله خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 102 ] وعسى من اللّه تحقيق كما صرحوا به . وللحافظ تأليف مستقل في الميزان قال فيه : إنهم اختلفوا في تعدد الميزان وعدمه والصحيح الثاني والوزن بعد الحساب وأعمال الكفرة يخفف بها عذابهم كما ورد في حق أبي طالب ، وهو الصحيح كما قاله القرطبي ، وقال السخاوي المعتمد أنه مخصوص بأبي طالب والمعتمد ما قاله القرطبي فلا وجه للتردد فيه . أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مدّ البصر ، فيقول أتنكر من هذا شيئا أظلمك كتبتي الحافظون ، فيقول لا يا رب فيقول أفلك عذر أو حسنة فيهاب الرجل فيقول لا يا رب ، فيقول بلى إن لك عندنا حسنة وأنه لا ظلم عليك اليوم ، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ، فيقال إنك لا