صديق الحسيني القنوجي البخاري
469
فتح البيان في مقاصد القرآن
لَسْتَ مِنْهُمْ أي من تفرقهم أو من السؤال عن سبب تفرقهم والبحث عن موجب تحزبهم فِي شَيْءٍ من الأشياء فلا يلزمك من ذلك شيء ولا تخاطب به إنما عليك البلاغ ، وهو مثل قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم « من غشنا فليس منا » « 1 » أي نحن برآء منه . وقال الفراء : لست من عقابهم في شيء وإنما عليك الإنذار ، وقيل لست في قتال الكفار ، وعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية القتال والأولى أولى . إِنَّما أَمْرُهُمْ يعني في الجزاء والمكافأة إِلَى اللَّهِ فيه تسلية له صلى اللّه عليه وسلم أي هو مجاز لهم بما تقتضيه مشيئته ، والحصر بإنما هو في حكم التعليل لما قبله والتأكيد له ثُمَّ هو يُنَبِّئُهُمْ يوم القيامة ويخبرهم بما ينزل بهم من المجازاة بِما كانُوا يَفْعَلُونَ من الأعمال التي تخالف ما شرعه اللّه لهم وأوجبه عليهم . ولما توعد سبحانه المخالفين له بما توعد ، بين عقب ذلك مقدار جزاء العاملين بما أمرهم به الممتثلين لما شرعه لهم بأن مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ الواحدة من الحسنات ، عن ابن مسعود أي قال لا إله إلا اللّه ، وعن ابن عباس وأبي هريرة مثله وعن سعيد بن جبير قال : لما نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين يا رسول اللّه لا إله إلا اللّه حسنة قال « نعم أفضل الحسنات » ، أخرجه عبد بن حميد . وهذا مرسل لا ندري كيف إسناده إلى سعيد . فَلَهُ من الجزاء يوم القيامة عَشْرُ حسنات أَمْثالِها فأقيمت الصفة مقام الموصوف ، وقد ثبت هذا التضعيف في السنة بأحاديث كثيرة ، وهذا هو أقل ما يستحقه عامل الحسنة ، وقد وردت الزيادة على هذا عموما وخصوصا ففي القرآن كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ [ البقرة : 261 ] الآية ، وورد في بعض الحسنات أن فاعلها يجازي عليها بغير حساب ، وورد في السنة المطهرة تضعيف الجزاء إلى سبعين وإلى سبعمائة وإلى ألوف مؤلفة . وفضل اللّه واسع وعطاؤه جم ، وقد قدمنا تحقيق هذا في موضعين من هذا التفسير فليرجع إليهما . وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أي بالأعمال السيئة فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها من دون زيادة عليها أي على قدرها في الخفة والعظم أن جوزي ، فالمشرك يجازى على سيئة الشرك بخلوده في النار ، وفاعل المعصية من المسلمين يجازى عليها بمثلها مما ورد تقديره من العقوبات كما ورد بذلك كثير من الأحاديث المصرحة بأن من عمل كذا فعليه كذا ،
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 164 ، وأبو داود في البيوع باب 50 ، والترمذي في البيوع باب 72 ، وابن ماجة في التجارات باب 36 ، والدارمي في البيوع باب 10 ، وأحمد في المسند 2 / 50 ، 242 ، 417 ، 3 / 466 ، 4 / 45 .