صديق الحسيني القنوجي البخاري
470
فتح البيان في مقاصد القرآن
وما لم يرد لعقوبته تقدير من الذنوب فعلينا أن نقول يجازيه اللّه بمثله وإن لم نقف على حقيقة ما يجازي به ، وهذا إن لم يتب ، أما إذا تاب أو غلبت حسناته سيئاته أو تغمده اللّه برحمته وتفضل عليه بمغفرته فلا مجازاة ، وأدلة الكتاب والسنة مصرحة بهذا تصريحا لا يبقى بعده ريب لمرتاب . وَهُمْ أي المحسنون والمسيئون لا يُظْلَمُونَ بنقص المثوبات ولا بزيادة العقوبات والأولى في هذه الآية أن اللفظ عام في كل حسنة يعملها العبد أو سيئة وإعطاء الثواب لعامل الحسنة فضل من اللّه ، وجزاء السيئة بمثلها عدل منه سبحانه . قُلْ لما بين سبحانه أن الكفار تفرقوا فرقا وتحزبوا أحزابا أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يقول لهم إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي أي أرشدني بما أوحاه إلي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هو ملة إبراهيم عليه السلام . دِيناً قِيَماً بكسر القاف والتخفيف وفتح الياء وبفتح القاف وكسر الياء المشددة وهما لغتان ، ومعناه الدين المستقيم الذي لا عوج فيه . مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً مائلا إلى الحق ، وفي القاموس الحنيف كأمير الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه وكل من حج أو كان على دين إبراهيم ، وتحنف عمل عمل الحنيفية أو اختتن أو اعتزل عبادة الأصنام ، وإليه مال انتهى وقد تقدم تحقيقه . وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ جملة معترضة مقررة لما قبلها ، وفيه ردّ على كفار قريش لأنهم يزعمون أنهم على دين إبراهيم فأخبر سبحانه أنه لم يكن ممن يعبد الأصنام . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 162 إلى 164 ] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 162 ) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( 163 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 164 ) قُلْ إِنَّ صَلاتِي قيل القول الأول إشارة إلى أصول الدين وهذا إلى فروعها وإليه نحا أبو السعود وغيره ، وهذا غير ظاهر لأن كون الصلاة وما بعدها للّه من قبيل الأصول لا الفروع كما لا يخفى ، والمراد بالصلاة جنسها فيدخل فيه جميع أنواعها وقيل صلاة الليل وقيل صلاة العيد وقيل الصلاة المفروضة والأول أولى . وَنُسُكِي النسك جمع نسيكة وهي الذبيحة كذا قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم أي ذبيحتي في الحج والعمرة ، وقال الحسن ديني ، وقال قتادة ضحيتي وقال الزجاج عبادتي من قولهم نسك فلان ناسك إذا تعبد ، وبه قال جماعة من أهل العلم ونقل الواحدي عن ابن الأعرابي قال النسك سبائك الفضة كل سبيكة وقيل للمتعبّد ناسك لأنه صفى نفسه كالسبيكة انتهى ، ولا يخلو هذا من تكلف وبعد .