صديق الحسيني القنوجي البخاري

462

فتح البيان في مقاصد القرآن

والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود قال : خط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطا بيده ثم قال : « هذا سبيل اللّه مستقيما ، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ هذه الآية » « 1 » . وقال ابن عباس : السبل الضلالات وعنه هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم ، وهن أم الكتاب ، ومن عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار ، وقال ابن مسعود : من سره أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد صلى اللّه عليه وسلم فليقرأ هؤلاء الآيات ، أخرجه الترمذي « 2 » وحسنه . ذلِكُمْ أي ما تقدم ذكره وَصَّاكُمْ أكد عليكم الوصية بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ما نهاكم عنه من الطرق المختلفة والسبل المضلة . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 154 إلى 156 ] ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 154 ) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 155 ) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ ( 156 ) ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة وهذا كلام مسوق لتقرير الوصية التي وصى اللّه بها عباده ، وقد استشكل العطف بثم مع كون قصة موسى وإيتاء الكتاب قبل المعطوف عليه وهو ذلك وصاكم به ، فقيل « ثم » هنا بمعنى الواو من غير اعتبار مهلة ولا ترتيب ، وبذلك قال بعض النحويين . قلت وهذه استراحة ، وقيل تقديره ثم كان قد آتينا قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، قاله ابن القشيري ، وقيل المعنى قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [ الأنعام : 151 ] ثم أتل إيتاء موسى الكتاب ، قاله الزجاج : وقيل إن التوصية المعطوف عليها قديمة لم يزل كل نبي يوصي بها أمته ، وقيل : إن ثم للتراخي في الأخبار وقيل غير ذلك . تَماماً النصب على الحال أو المصدر أو على أنه مفعول لأجله عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ قبوله والقيام به كائنا من كان ، وقال الحسن ومجاهد : كان فيهم محسن وغير محسن ، فأنزل اللّه الكتاب تماما على المحسنين المؤمنين ، وقيل المعنى أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما علمه اللّه قبل نزولها عليه ، وقيل تماما على الذي أحسن به اللّه عز وجل إلى موسى من الرسالة وغيرها ، وقيل تماما على إحسان موسى بطاعة اللّه عز وجل قاله الفراء ، وقال أبو صخر : تماما لما كان قد أحسن إليه ، وقال ابن زيد : تماما لنعمته عليهم وإحسانه إليهم .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 4 ، وأحمد في المسند 1 / 293 ، 316 ، 322 . ( 2 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 6 ، باب 7 .