صديق الحسيني القنوجي البخاري
459
فتح البيان في مقاصد القرآن
نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ هذا تعليل للنهي قبله ، وكان ظاهر السياق أن يقدم ويقال نحن نرزقهم وإياكم كما في آية الإسراء لأن الكلام في الأولاد ، ولكن قدم هنا خطاب الآباء ليكون كالدليل على ما بعده . وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ أي المعاصي ومنه ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ، والأولى حمل لفظ الفواحش على العموم في الجميع المحرمات والمنهيات فيدخل فيه الزنا وغيره ، ولا وجه لتخصيصه بنوع من الفواحش وإن كان السبب خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ما ظَهَرَ أي ما أعلن به مِنْها واطلع عليه الناس وَما بَطَنَ ما أسر ولم يطلع عليه إلا اللّه أي علانيتها وسرها ، قال ابن عباس : كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسا في السر ويستقبحونه بالعلانية فحرم اللّه الزنا في السر والعلانية . وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ اللام للجنس أي لا تقتلوا شيئا من الأنفس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا بما يوجبه الحق والاستثناء مفرغ أي لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا في حال الحق أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق ، ومن الحق قتلها قصاصا وقتلها بسبب زنا المحصن ، وقتلها بسبب الردة ونحو ذلك من الأسباب التي ورد الشرع بها ، وإنما أفرد قتل النفس بالذكر تعظيما لأمر القتل وأنه من أعظم الفواحش والكبائر . ذلِكُمْ إشارة إلى جميع ما تقدم مما تلاه عليهم قاله أبو حيان . إلى الأمور الخمسة وَصَّاكُمْ أي أمركم بِهِ وأوجبه عليكم وفيه من اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له تعالى ما لا يخفى من الإحسان . ولما كان العقل هو مناط التكليف قال : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تفهموا ما في هذه التكاليف من الفوائد النافعة في الدين والدنيا فتعملوا بها . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 152 إلى 153 ] وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 152 ) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 153 ) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه إِلَّا بِالَّتِي أي الخصلة التي هِيَ أَحْسَنُ من غيرها وهي ما فيه صلاحه وحفظه وتنميته وتثميره وتحصيل الربح له فيشمل كل وجه من الوجوه التي فيها نفع لليتيم وزيادة في ماله ، والاستثناء مفرغ ، وقيل المراد بالتي هي أحسن التجارة .