صديق الحسيني القنوجي البخاري
460
فتح البيان في مقاصد القرآن
حَتَّى أي إلى غاية هي أن يَبْلُغَ اليتيم أَشُدَّهُ فإن بلغ ذلك فادفعوا إليه ماله وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه وقيل بالعكس وقيل هو اسم مفرد لفظا ومعنى ، وقيل هو جمع ، وعلى هذا فمرده شدة كنعمة أو شد كفلس وأفلس أو شد كصر وأصر ، أقوال ثلاثة في مفرده وأصله من شد النهار أي ارتفع قال سيبويه واحده شدة . قال الجوهري : وهو حسن في المعنى لأنه يقال أبلغ الكلام شدته ، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل ، وقيل الأشد استحكام قوة الشباب والسن حتى يتناهى في الشباب إلى حد الرجال . واختلف أهل العلم في الأشد فقال أهل المدينة بلوغه وإيناس رشده ، وقال عبد الرحمن بن زيد : هو البلوغ ، وقيل إنه انتهاء الكهولة ، والأولى في تحقيقه أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد ، وهو أن يكون في تصرفاته بماله سالكا مسلك العقلاء لا مسلك أهل السفه والتبذير ، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة النساء وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [ النساء : 6 ] فجعل بلوغ النكاح وهو بلوغ سن التكليف مقيدا بإيناس الرشد ، ولعله قد سبق هنالك كلام في هذا . قال الشعبي ومالك : الأشد الحلم حين تكتب له الحسنات وعليه السيئات وقال أبو العالية : حتى يعقل وتجتمع قوته ، وقال أبو حنيفة : خمس وعشرون سنة ، وقال الكلبي : هو ما بين ثمان عشرة سنة إلى ثلاثين سنة ، وقيل : إلى أربعين وقيل إلى ستين ، وقال الضحاك : عشرون سنة ، وقال السدي : ثلاثون سنة ، وقال مجاهد : ثلاث وثلاثون سنة ، وهذا الأقوال إنما هي في نهاية الأشد لا في ابتدائه والمختار في تفسيره ما ذكرناه . وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وهما الآلة التي يكال بها ويوزن ، وأصل الكيل مصدر ثم أطلق على الآلة ، والميزان في الأصل مفعال من الوزن ، ثم نقل لهذه الآلة ، والميزان في الأصل مفعال من الوزن ، ثم نقل لهذه الآلة كالمصباح والمقياس لما يستصبح به ويقاس بِالْقِسْطِ أي بالعدل في الأخذ والإعطاء عند البيع والشراء وترك البخس . لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي طاقتها في كل تكليف من التكاليف ومنه التكليف بإيفاء الكيل والوزن فلا يخاطب المتولي لهما بما لا يمكن الاحتراز عنه في الزيادة والنقصان فإن أخطأ في الكيل والوزن واللّه يعلم صحة نيته فلا مؤاخذة عليه كما ورد في الحديث ومع ذلك يضمن ما أخطأ فيه كما في كتب الفروع . وَإِذا قُلْتُمْ بقول في خبر أو شهادة أو جرح أو تعديل فَاعْدِلُوا فيه وتحروا الصواب ولا تتعصبوا في ذلك لقريب ولا على بعيد ، ولا تميلوا إلى صديق ولا على عدو ، بل سووا بين الناس فإن ذلك من العدل الذي أمر اللّه به وَلَوْ كانَ الضمير راجع إلى ما يفيده وَإِذا قُلْتُمْ فإنه لا بد للقول من مقول فيه أو مقول له أو مقول