صديق الحسيني القنوجي البخاري
458
فتح البيان في مقاصد القرآن
وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن المنذر عن كعب الأحبار قال : أول ما أنزل في التوراة عشر آيات وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام قُلْ تَعالَوْا إلى آخرها . وأخرج أبو الشيخ عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عدي بن الخيار قال : سمع كعب رجلا يقرأ قُلْ تَعالَوْا الخ فقال كعب والذي نفس كعب بيده إنها لأول آية في التوراة بسم اللّه الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى آخر الآيات انتهى . قلت هي الوصايا العشر التي في التوراة أولها أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك إله غيري ، ومنها أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد على قريبك شهادة زور ، ولا تشته بنت قريبك ولا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيء مما لقريبك . فلعل مراد كعب الأحبار هذا ، ولليهود بهذه الوصايا عناية عظيمة ، وقد كتبها أهل الزبور في آخر زبورهم ، وأهل الإنجيل في أول إنجيلهم ، وهي مكتوبة في لوحين وقد تركنا منها ما يتعلق بالسبت ، قال أبو السعود : وهذه الأحكام العشرة لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار . وَ أحسنوا بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً هو البر بهما وامتثال أمرهما ونهيهما ، وقد تقدم الكلام على هذا ، ولما كان إيجاب الإحسان تحريما لترك الإحسان ذكر في المحرمات وكذا حكم ما بعده من الأوامر . وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ لما ذكر حق الوالدين على الأولاد ، ذكر حق الأولاد عليهما وهو أن لا يقتلوهم مِنْ أجل إِمْلاقٍ هو الفقر فقد كانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكور والإناث خشية الإملاق ، وتفعله بالإناث خاصة خشية العار ، وحكى النقاش عن مؤرج إن الإملاق الجوع بلغة لخم . وذكر منذر بن سعيد البلوطي إن الإملاق الإنفاق يقال أملق ماله بمعنى أنفقه ، وقيل الإملاق الإسراف يقال أملق أي أسرف في نفسه ، قاله محمد بن نعيم اليزيدي ، والإملاق الإفساد أيضا قاله شمر ، يقال أملق ما عنده الدهر أي أفسده ، وقال قتادة : الإملاق الفاقة ، يقال أملق افتقر واحتاج ، وهو الذي أطبق عليه أئمة اللغة والتفسير ههنا . وقال هنا من « إملاق » وفي الإسراء « خشية إملاق » قال بعضهم لأن هذا في الفقر الناجز فيكون خطابا للآباء الفقراء ، وما في الإسراء في المتوقع فيكون خطابا للآباء الأغنياء فعلهم كان فقراؤهم يقتلون أولادهم وأغنياؤهم كذلك ، وقيل هذا التقديم للتفنن في البلاغة والأول أولى لأن إفادة معنى جديد أولى من ادعاء كون الآيتين بمعنى واحد للتأكيد .