صديق الحسيني القنوجي البخاري

453

فتح البيان في مقاصد القرآن

غَيْرَ باغٍ على مضطر آخر مثله تارك لمواساته أو على المسلمين وَلا عادٍ متجاوز قدر حاجته من تناوله أو عليهم بقطع الطريق فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي كثير المغفرة والرحمة فلا يؤاخذ المضطر بما دعت إليه ضرورته ، وقد تقدم تفسيره في البقرة فلا نعيده . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 146 إلى 147 ] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 146 ) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 147 ) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ قدم الظرف على الفعل للدلالة على أن هذا التحريم مختص بهم لا يجاوزهم إلى غيرهم وهم اليهود ، ذكر اللّه ما حرمه عليهم عقب ذكر ما حرمه على المسلمين ، والظفر واحد الأظفار ، ويجمع أيضا على أظافير ، وزاد الفراء في جمع ظفر أظافر وأظافرة ، وذو الظفر ما له أصبع من دابة أو طائر ، ويدخل فيه الحافر والخف والمخلب ، فيتناول الإبل والبقر والغنم والنعام والأوز والبط ، وكل ما له مخلب من الطير وحافر من الدواب ، وتسمية الحافر والخف ظفرا مجاز . والأولى حمل الظفر على ما يصدق عليه اسم الظفر في لغة العرب لأن هذا التعميم يأباه ما سيأتي من قوله : وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فإن كان في لغة العرب بحيث يقال على البقر والغنم كان ذكرهما من بعد تخصيصا آخر ، حرم اللّه ذلك عليهم عقوبة لهم على ما وقعوا فيه من الظلم كما قال تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [ النساء : 160 ] . عن ابن عباس قال : هو الذي ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير يعني مشقوقها كالبعير والنعامة ونحو ذلك من الدواب ، وقال مجاهد : هو كل شيء لم ينفرج قوائمه من البهائم ، وما انفرج أكلته اليهود ، قال انفرجت قوائم الدجاج والعصافير فيهود تأكله ، ولم ينفرج خف البعير ولا النعامة ولا قائمة الوزينة فلا تأكلها اليهود ولا تأكل حمار الوحش ، وفي الظفر لغات خمس ذكرها السمين أعلاها بضم الظاء والفاء وهي قراءة العامة . وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما لا غير هذا المذكورات كلحمها والشحوم يدخل فيها الثروب وشحم الكلية وقيل الثروب جمع ثرب وهم الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش والأمعاء كما في القاموس ، والمراد بها هنا ما على الكرش فقط كما فسر به القرطبي ، ولا يراد ما على الأمعاء وتفسيره بما على الأمعاء نظرا لمعناها اللغوي . إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أي ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما من الشحم ، استثنى اللّه سبحانه من الشحوم هذا الشحم فإنه لم يحرمه عليهم ، وقال السدي