صديق الحسيني القنوجي البخاري
451
فتح البيان في مقاصد القرآن
غير هذه المذكورات ، فدل ذلك على انحصار المحرمات فيها لولا أنها مكية ، وقد نزل بعدها بالمدينة سورة المائدة وزيد فيها على هذه المحرمات المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ، وصح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم تحريم كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير وتحريم الحمر الأهلية والكلاب ونحو ذلك وأحاديثها مستوفاة في كتب الحديث . وبالجملة فهذا العموم إن كان بالنسبة إلى ما يؤكل من الحيوانات كما يدل عليه السياق ويفيده الاستثناء فيضم إليه كل ما ورد بعده في الكتاب أو السنة مما يدل على تحريم شيء من الحيوانات ، وإن كان هذا العموم هو بالنسبة إلى كل شيء حرمه اللّه من حيوان وغيره فإنه يضم إليه كل ما ورد بعده مما فيه تحريم شيء من الأشياء . وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة أنه لا حرام إلا ما ذكره اللّه في هذه الآية ، وروي ذلك عن مالك وهو قول ساقط ومذهب في غاية الضعف لاستلزامه لإهمال غيرها مما نزل بعدها من القرآن وإهمال ما صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال بعد نزول هذه الآية بلا سبب يقتضي ذلك ولا موجب يوجبه . أخرج البخاري وأبو داود وابن المنذر عن عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن زيد إنهم يزعمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر ، فقال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكن أبى ذلك البحر ابن عباس وقرأ قُلْ لا أَجِدُ الآية . وأقول وإن أبى ذلك البحر ابن عباس فقد صح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، والتمسك بقول صحابي في مقابلة قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من سوء الاختيار وعدم الإنصاف . إِلَّا منقطع قاله المكي والسيوطي ، وظاهر كلام الزمخشري أنه متصل ، وإليه نحا السمين أَنْ يَكُونَ ذلك الشيء المحرم أو ذلك الطعام أو العين أو الجثة أو النفس مَيْتَةً وقرىء يكون بالتحتية والفوقية ، وميتة بالرفع على أن كان تامة والمراد بالميتة هنا ما مات بنفسه لأجل عطف قوله أَوْ فِسْقاً فإنه من أفراد الميتة شرعا . وأخرج أحمد والبخاري والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أن شاة لسودة بنت زمعة ماتت فقالت يا رسول اللّه ماتت فلانة تعني الشاة فقال : فلولا أخذتم مسكها « 1 » قالت : يا رسول اللّه أنأخذ مسك شاة قد ماتت فقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : قُلْ لا أَجِدُ الآية وأنتم لا تطعمونه وإنما تدبغونه حتى
--> ( 1 ) مسكها : أي جلدها .