صديق الحسيني القنوجي البخاري
447
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعلى هذين القولين المراد بالإسراف مجاوزة الحد إلا أن الأول في البذل والإعطاء ، والثاني في الإمساك والبخل ، وقال مقاتل : معناه لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام ، وقال الزهري : لا تنفقوا في معصية اللّه ، وقال ابن زيد : هو خطاب للولاة يقول لهم لا تأخذوا فوق حقكم من رب المال ، وقيل المعنى لا تأخذوا الشيء بغير حقه وتضعونه في غيرت مستحقه . إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ اعتراض وفيه وعيد وزجر عن الإسراف في كل شيء لأن من لا يحبه اللّه فهو من أهل النار ، وعن ابن جريج قال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جد نخلا فقال : لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليس له تمرة فأنزل اللّه هذه الآية وعن مجاهد قال : لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبا في طاعة اللّه لم يكن إسرافا ولو أنفقت صاعا في معصية اللّه كان إسرافا ، وللسلف في هذا مقالات طويلة . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 142 ] وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 142 ) وَ أنشأ لكم مِنَ الْأَنْعامِ شروع في تفصيل حال الأنعام وإبطال ما تقولوا في شأنها بالتحريم والتحليل حَمُولَةً وَفَرْشاً الحمولة هي كل ما يحمل عليها واختصت بالإبل فهي فعولة بمعنى فاعلة ، والفرش ما يتخذ من الوبر والصوف والشعر فراشا يفرشه الناس ، وقيل الحمولة الإبل ، والفرش الغنم ، وقيل هي كل ما حمل عليه من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير ، والفرش الغنم ، وهذا لا يتم إلا على فرض صحة إطلاق اسم الأنعام على جميع هذه المذكورات . قال ابن مسعود : الفرش صغار الإبل التي لا تحمل ، وبه قال ابن عباس : وزاد الحمولة ما حمل عليه والفرش ما أكل منه ، قال أبو العالية : الفرش الضأن والمعز قيل سمي فرشا لأنه يفرش للذبح ولأنه قريب من الأرض لصغره ، قال الزجاج : أجمع أهل اللغة على أن الفرش صغار الإبل ، قال أبو زيد : يحتمل أن يكون تسمية بالمصدر لأن الفرش في الأصل مصدر والفرش لفظ مشترك بين معان كثيرة منها ما تقدم ومنها متاع البيت والفضاء الواسع واتساع خف البعير قليلا والأرض الملساء ونبات يلتصق بالأرض . كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الثمار والزرع والأنعام وأحلها لكم وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي طرقه وآثاره كما فعل المشركون وأهل الجاهلية من تحريم ما لم يحرمه اللّه وتحليل ما لم يحلله إِنَّهُ أي الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ مظهر للعداوة ومكاشف بها .