صديق الحسيني القنوجي البخاري

432

فتح البيان في مقاصد القرآن

جهل قاله ابن عباس ، وعن زيد بن أسلم في الآية قال : نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام كانا ميتين في ضلالتهما فأحيا اللّه عمر بالإسلام وأعزه وأقر أبا جهل في ضلالته وموته ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم دعا فقال : « اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر » « 1 » . قال عكرمة والكلبي : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل ، وقال مقاتل : نزلت في النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبي جهل ، والحق أن الآية عامة في حق كل مؤمن وكافر ، وبه قال الحسن . كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ المزين هو اللّه سبحانه ويدل عليه قوله : زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [ النمل : 4 ] ولأن حصول الفعل يتوقف على حصول الدواعي وحصولها لا يكون إلا بخلق اللّه ، فدل ذلك على أن المزين هو اللّه سبحانه ، وقالت المعتزلة : المزين هو الشيطان ويرده ما تقدم . وَكَذلِكَ أي مثل ذلك الجعل بمكة جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ الأكابر جمع أكبر قيل هم الرؤساء والعظماء وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد والغدر وترويج الباطل بين الناس من غيرهم ، وإنما حصل ذلك لأجل رياستهم ، وذلك سنة اللّه أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءها وجعل فساقها أكابر مُجْرِمِيها قال الواحدي في الآية تقديم وتأخير أي مجرميها أكابر ، وإنما جعل المجرمين أكابر لأن ما فيهم من السعة أدعى لهم إلى المكر والكفر . لِيَمْكُرُوا فِيها بالصد عن الإيمان ، واللام على ظاهرها أو للعاقبة أو للعلة مجازا ، قال أبو عبيدة : المكر الخديعة والغدر والحيلة والفجور ، وزاد بعضهم الغيبة والنميمة والأيمان الكاذبة وترويج الباطل ، قال ابن عباس : ليقولوا فيها الكذب ، عن عكرمة قال : نزلت في المستهزئين ، وقيل المعنى ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي ، دليله وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 27 ] . وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ المكر الحيلة في مخالفة الاستقامة وأصله الفتل ، فالماكر يفتل عن الاستقامة أي يصرف عنها أي ما يحيق هذا المكر إلا بهم لأن وبال مكرهم عائد عليهم وَما يَشْعُرُونَ بذلك لفرط جهلهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 124 إلى 125 ] وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ( 124 ) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 125 )

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في المناقب باب 17 ، وابن ماجة في المقدمة باب 11 ، وأحمد في المسند 2 / 95 ، والحاكم في المستدرك كتاب معرفة الصحابة 3 / 83 .