صديق الحسيني القنوجي البخاري

433

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ من الآيات أي حجة بينة ودلالة واضحة على صدق محمد صلى اللّه عليه وسلم والمعنى إذا جاءت الأكابر آية قالُوا هذه المقالة لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ وإنما قالوها حسدا منهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل المعنى إذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم قالوا لن نصدقك حتى يأتينا جبريل ويخبرنا بصدقك يريدون أنهم لا يؤمنون حتى يكونوا أنبياء متبوعين لا تابعين . وهذا نوع عجيب من جهالاتهم الغريبة وعجرفتهم العجيبة ونظيره يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً [ المدثر : 52 ] قال بعضهم يسن الوقف هنا ويستجاب الدعاء بين هاتين الجلالتين ( قلت ) لعل هذا من التجارب دون المأثورات . فأجاب اللّه عنهم بقوله : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ أي أن اللّه أعلم بمن يستحق أن يجعله رسولا ويكون موضعا لها وأمينا عليها ، وقد اختار أن يجعلها في محمد صلى اللّه عليه وسلم صفيه وحبيبه ، فدعوا طلب ما ليس من شأنكم ، عن ابن جريج قال : قالوا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه من الحق : لو كان هذا حقا لكان فينا من هو أحق أن يؤتى به من محمد ، وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] . ثم توعدهم بقوله : سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ أي ذل وهوان ، وأصله من الصغر كأن الذل يصغر إلى المرء نفسه ، وقيل الصغار هو الرضاء بالذل ، روي ذلك عن ابن السكيت . عِنْدَ اللَّهِ أي في الآخرة يوم القيامة وقيل في الدنيا وَعَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة أو في الدارين من القتل والأسر وعذاب النار بِما كانُوا يَمْكُرُونَ أي بسبب مكرهم وحسدهم . فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ الشرح الشق وأصله التوسعة وشرحت الأمر بينته وأوضحته ، والمعنى من يرد اللّه هدايته للحق يوسع صدره حتى يقبله بصدر منشرح . أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن أبي جعفر المدايني رجل من بني هاشم ، وليس هو محمد بن علي ، قال : سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن هذه الآية وقالوا كيف شرح صدره يا رسول اللّه قال : نور يقذف فيه فينشرح صدره له وينفسح له ، قالوا فهل لذلك من أمارة يعرف بها قال : « الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت » ، وقد روي بطرق يقوي بعضها بعضا والمتصل يقوي المرسل ، فالمصير إلى هذا التفسير النبوي متعين .