صديق الحسيني القنوجي البخاري

422

فتح البيان في مقاصد القرآن

أقسموا أشد أيمانهم التي بلغتها قدرتهم ، وقد كانوا يعتقدون أن اللّه هو الإله الأعظم ، فلهذا أقسموا به والجهد بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة ومن أهل اللغة من يجعلهما بمعنى واحد . والمعنى أنهم اقترحوا على النبي صلى اللّه عليه وسلم آية من الآيات التي كانوا يقترحونها وأقسموا لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ أي هذه الآية اقترحوها كما جاءت من قبلهم وهذا إخبار عنهم من اللّه لا حكاية لقولهم وإلا لقيل لئن جاءتنا قاله أبو حيان لَيُؤْمِنُنَّ بِها وليس غرضهم بذلك الإيمان بل معظم قصدهم التهكم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والتلاعب بآيات اللّه وعدم الاعتداد بما شاهدوا منها فأمره اللّه سبحانه أن يجيب عليهم بقوله : قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ أي هذه الآية التي يتقرحونها وغيرها عِنْدَ اللَّهِ وليس عندي من ذلك شيء ، فهو سبحانه إن أراد أنزالها أنزلها ، وإن أراد أن لا ينزلها لم ينزلها لأن المعجزات الدالة على النبوات شرطها أن لا يقدر على تحصيلها أحد إلا اللّه تعالى . وَما يُشْعِرُكُمْ أي وما يدريكم يعني أنتم لا تدرون ذلك ، قال مجاهد وابن زيد : المخاطب بهذا المشركون ، وقال الفراء وغيره : الخطاب للمؤمنين لأن المؤمنين قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون فقال اللّه : وما يشعركم أَنَّها قرىء بفتح الهمزة قال الخليل : أنها بمعنى لعلها وفي التنزيل وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [ عبس : 3 ] أي أنه يزكى ، وحكي عن العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا أي لعلك ، وقد وردت أن في كلام العرب كثيرا بمعنى لعل . إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ قال الكسائي والفراء : أن لا زائدة والمعنى وما يشعركم أنها أي الآيات إذا جاءت يؤمنون فزيدت لا كما زيدت في قوله تعالى : وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [ الأنبياء : 95 ] وفي قوله : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [ الأعراف : 12 ] وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة لا وقالوا هو خطأ وغلط ، وذكر النحاس وغيره أن في الكلام حذفا والتقدير أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون ثم حذف هذا المقدر لعلم السامع . وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ قيل يعني يوم القيامة على لهب النار وحر الجمر ، والتقلب هو تحويل الشيء وتحريكه عن وجهه إلى وجه آخر ، وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ونذرهم . كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ في الدنيا أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني الآيات التي جاء بها موسى وغيره من الأنبياء أو جاء بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم من المعجزات الباهرات . وقال ابن عباس : يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم