صديق الحسيني القنوجي البخاري

423

فتح البيان في مقاصد القرآن

عن الإيمان فلا يؤمنون به كما لم يؤمنوا به أول مرة قبل مماتهم وَنَذَرُهُمْ أي نمهلهم ولا نعاقبهم في الدنيا ، فعلى هذا بعض الآيات في الآخرة وبعضها في الدنيا وقيل المعنى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الدنيا أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية كما حلنا بينهم وبين ما دعوتهم إليه أول مرة عند ظهور المعجزة . فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ يتحيرون يقال عمه في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردد متحيرا مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها إمارات تدل على النجاة فهو عمه وأعمه ، قال ابن عباس : لما جحد المشركون ما أنزل اللّه لم يثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 111 إلى 112 ] وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 ) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 ) وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ أي لو آتيناهم ما طلبوه لا يؤمنون كما اقترحوه بقولهم لولا أنزل عليه ملك وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى الذين يعرفونهم بعد إحيائنا لهم وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ مما سألوه من الآيات وأصناف المخلوقات كالسباع والطيور ، والحشر الجمع قُبُلًا أي كفلاء وضمناء بما جئناهم به من الآيات البينات أو حال كون الكفار معاينين رائين للآيات والأصناف . قرىء قبلا بضم القاف وقبلا بكسرها أي مقابلة ، قال المبرد : قبلا بمعنى ناحية كما تقول لي قبل فلان مال ، وبه قال أبو زيد وجماعة من أهل اللغة وعلى الأول ورد قوله تعالى : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [ الإسراء : 92 ] أي يضمنون كذا قال الفراء وقال الأخفش : هو بمعنى قبيل قبيل أي جماعة جماعة . وحكى أبو زيد : لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا كلها واحد بمعنى المواجهة فيكون على هذا الضم كالكسر وتستوي القراءتان ، وهو قول أبي عبيدة والفراء والزجاج ، ونقله الواحدي أيضا عن جميع أهل اللغة ، قال ابن عباس : قبلا معاينة ، وقال قتادة : فعاينوا ذلك معاينة ، وقال مجاهد : قبلا أفواجا ، وقيل القبيل الكفيل بصحة ما تقول . ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا أي أهل الشقاء لما سبق في علم اللّه ، واللام لام الجحود إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إيمانهم أي إيمان أهل السعادة والذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان فإن ما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن ، والاستثناء مفرغ ، وبه