صديق الحسيني القنوجي البخاري
418
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ أي يحيط بها ويبلغ كنهها لا يخفى عليه منها خافية أو يراها ولا تراه ولا يجوز في غيره أن يدرك البصر وهو لا يدركه ، وخص الأبصار ليجانس ما قبله . قال الزجاج : في هذا دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه انتهى . وَهُوَ اللَّطِيفُ أي الرفيق بعباده يقال لطف فلان بفلان أي رفق به . واللطف في العمل الرفق فيه واللطف من اللّه تعالى التوفيق والعصمة ، وألطفه بكذا إذا برّه ، والملاطفة المبارّة هكذا قال الجوهري وابن فارس ، و الْخَبِيرُ المختبر لكل شيء بحيث لا يخفى عليه شيء ، ويجوز أن يكون هذا من باب اللف والنشر المرتب أي لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير فيكون اللطيف مستعارا من مقابل الكثيف ، وهو الذي لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها قاله البيضاوي والأول أولى . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 104 إلى 106 ] قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 105 ) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ البصائر جمع بصيرة وهي في الأصل نور القلب الذي تبصر به النفس أي الروح كما أن البصر هو النور الذي تبصر به العين ، والمراد بها هنا الحجة البينة والبرهان الواضح ، وإطلاق البصائر عليها مجاز من إطلاق اسم المسبب على السبب ، وهذا الكلام استئناف وارد على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولهذا قال في آخره : وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ، ووصف البصائر بالمجيء تفخيما لشأنها وجعلها بمنزلة الغائب المتوقع مجيئه كما يقال جاءت العافية وانصرف المرض وأقبلت السعود وأدبرت النحوس . فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ أي فمن تعقل الحجة وعرفها وأذعن لها فنفع ذلك لنفسه ، لأنه ينجو بهذا الإبصار من عذاب النار وَمَنْ عَمِيَ عن الحجة ولم يتعقلها ولا أذعن لها فَعَلَيْها أي فضرر ذلك على نفسه ، لأنه يتعرض لغضب اللّه في الدنيا ويكون مصيره إلى النار ، قال قتادة : فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فعليها . وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أحصي عليكم أعمالكم ، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم ، قال الزجاج : نزل هذا قبل فرض القتال ثم أمر أن يمنعهم بالسيف من عبادة الأوثان .