صديق الحسيني القنوجي البخاري

419

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي مثل ذلك التصريف البديع نصرفها في الوعد والوعيد والوعظ والتنبيه ليعتبروا وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ أي نصرف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست أو ليقولوا درست صرفناها ، وعلى هذا تكون اللام للعاقبة أو للصيرورة ، والمعنى ومثل التصريف نصرف الآيات وليقولوا درست فإنه لا احتفال بقولهم ولا اعتداد بهم ، فيكون معناه الوعيد والتهديد لهم وعدم الاكتراث بقولهم ، وقد أشار إلى مثل هذا الزجاج . وقال النحاس : وفي المعنى قول آخر حسن وهو أن يكون معنى نصرف الآيات نأتي بها آية بعد آية ليقولوا درست علينا فيذكرون الأول بالآخر ، فهذا حقيقته ، والذي قاله الزجاج مجاز ، والجمهور على كسر اللام وهي لام كي ، وجوز أبو البقاء فيها الوجهين . وفي درست قراآت دارست كفاعلت ودرست كفرحت ودرست كضربت ، فعلى الأولى المعنى دارست أهل الكتاب ودارسوك أي ذاكرتهم وذاكروك ، ويدل على هذا ما وقع في الكتاب العزيز من إخبار اللّه عنهم بقوله : وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [ الفرقان : 4 ] أي أعان اليهود النبي صلى اللّه عليه وسلم على القرآن ومثله قولهم أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ الفرقان : 5 ] ، وقولهم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ النحل : 103 ] . والمعنى على الثانية قدمت هذه الآيات وعفت وانقطعت وهو كقولهم أساطير الأولين ، وعلى الثالثة مثل المعنى على الأول قال الأخفش : هي بمعنى دارست إلا أنه أبلغ ، وقرأ المبرد : وليقولوا بإسكان اللام فيكون بمعنى التهديد أي وليقولوا ما شاءوا فإن الحق بين . وهذا اللفظ أصله درس يدرس دراسة فهو من الدرس وهو القراءة وقيل من درسته أي ذللته بكثرة القراءة ، وأصله درس الطعام أي داسه والدياس الدراس بلغة أهل الشام ، وقيل أصله من درست الثوب أدرسه درسا أي أخلقته ودرست المرأة درسا أي حاضت ، ويقال : إن فرج المرأة يكنى أبا دراس وهو من الحيض ، والدرس أيضا الطريق الخفي ، وحكى الأصمعي بعير لم يدرس أي لم يركب . وقرأ جمع من الصحابة درس أي محمد الآيات وقرىء درست أي الآيات على البناء للمفعول ودارست أي اليهود محمدا ، قال ابن عباس : درست قرأت وتعلمت ودارست خاصمت جادلت تلوت . وَلِنُبَيِّنَهُ اللام فيه لام كي أي نصرف الآيات لكي نبينه ، والضمير راجع إلى الآيات لأنها في معنى القرآن أو إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه معلوم من السياق أو إلى التبيين المدلول عليه بالفعل لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الحق من الباطل ، قال ابن عباس : يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد وقيل المعنى نصرف الآيات ليسعد بها قوم