صديق الحسيني القنوجي البخاري
413
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال القرطبي : وأكثر أهل التفسير يقولون المستقر ما كان في الرحم ، والمستودع ما كان في الصلب ، والفرق بينهما أن المستقر أقرب إلى الثبات من المستودع ، لأن المستقر من القرار والمستودع معرض للرد . وجعل الحصول في الرحم استقرارا ، وفي الصلب استيداعا لأن النطفة تبقى في صلب الآباء زمانا قصيرا والجنين يبقى في بطن الأم زمانا طويلا ، فكلما كان المكث في بطن الأم أكثر من المكث في صلب الأب حمل المستقر على الرحم والمستودع على الصلب . وقيل المستقر من خلق ، والمستودع من لم يخلق ، وقيل المستودع في القبر والمستقر إما في الجنة أو النار لأن المقام فيهما يقتضي الخلود والتأييد ، وقيل الاستيداع إشارة إلى كونهم في القبور إلى المبعث ، ومما يدل على تفسير المستقر بالكون على الأرض قول اللّه تعالى : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ [ البقرة : 36 ] . قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ أي بينا الدلائل الدالة على التوحيد والبراهين الواضحة والحجج النيرة لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ غوامض الدقائق ، ذكر سبحانه ههنا يفقهون وفيما قبله يَعْلَمُونَ لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة وجعل بعضها مستقرا وبعضها مستودعا من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء فناسبه ذكر الفقه لإشعاره بمزيد تحقيق وإمعان فكر ، وتدقيق نظر . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 99 إلى 100 ] وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 99 ) وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ( 100 ) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً هذا نوع آخر من عجائب مخلوقاته ، والماء هو ماء المطر قيل ينزل المطر من السماء إلى السحاب ، ومن السحاب إلى الأرض . فَأَخْرَجْنا بِهِ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم إظهارا للعناية بشأن هذا المخلوق وما ترتب عليه ، والضمير في به عائد إلى الماء أي بسببه ، فالسبب واحد والمسببات كثيرة نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ يعني كل صنف من أصناف النبات المختلفة ، وقيل المعنى رزق كل شيء من الأنعام والبهائم والطير والوحوش وبني آدم وأقواتهم ، والأول أولى . ثم فصل هذا الإجمال فقال : فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً قال الأخفش : أي أخضر ، والخضر رطب البقول ، وهو ما يتشعب من الأغصان الخارجة من الحبة ، وقيل يريد القمح والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب وجميع الزروع والبقول .