صديق الحسيني القنوجي البخاري
41
فتح البيان في مقاصد القرآن
وأصل الإفضاء في اللغة المخالطة يقال للشيء المختلط فضاء ويقال القوم فوضا وفضاء أي مختلطون لا أمير عليهم ، وقيل الوصول : يقال أفضى إليه أي وصل . وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ وهذا الإسناد مجاز عقلي لأن الآخذ للعهد حقيقة هو اللّه لكن بولغ فيه حتى جعل كأنهن الآخذات له مِيثاقاً غَلِيظاً وهو عقد النكاح ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فإنكم أخذتموهن بأمانة اللّه واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه » « 1 » وقيل هو قوله تعالى : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [ البقرة : 229 ] قاله ابن عباس ، وقيل هو الأولاد . كان ابن عمر إذا نكح قال : نكحتك على ما أمر اللّه به إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، قال قتادة : وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح اللّه عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرّحن بإحسان ، وعن أنس بن مالك نحوه ، وعلى هذا هو قول العاقد عند العقد وعلى الأول هو كلمة النكاح المعقودة على الصداق . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 22 ] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً ( 22 ) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح نساء آبائهم إذا ماتوا ، وهو شروع في بيان من يحرم نكاحه من النساء ومن لا يحرم ، وإنما خص هذا النكاح بالنهي ولم ينتظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغة في الزجر عنه حيث كانوا مصرين على تعاطيه . ومن المعلوم أن المحرمات بالمصاهرة أربع : زوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة وبنت الزوجة ، وكلها يحصل فيه التحريم بمجرد العقد وإن لم يحصل دخول إلى الربيبة فلا تحريم إلا بشرط الدخول بأمها وهذا يستفاد من الآيات فإنها لم تقيد بالدخول إلا في الربيبة على ما سيأتي . والمراد آباؤكم من نسب أو رضاع . إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ استثناء منقطع لأن الماضي لا يستثنى من المستقبل أي لكن ما قد سلف في الجاهلية فاجتنبوه ودعوه فإنه مغفور عنه ، وقيل إلا بمعنى بعد أي بعد ما سلف وقيل المعنى ولا ما سلف ، وقيل هو استثناء متصل من قوله ما نكح آباؤكم يفيد المبالغة في التحريم بإخراج الكلام مخرج التعليق بالمحال ، يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوا فلا يحل لكم غيره . وقيل معناه إلا ما سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بامرأة فإنه يجوز للابن تزوجها قاله ابن زيد : والأول أولى . ثم بين سبحانه وجه النهي عنه فقال : إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً هذه الجملة تدل
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الحج باب 147 ، وأبو داود في المناسك باب 56 ، وابن ماجة في المناسك باب 84 ، والدارمي في المناسك باب 34 ، وأحمد في المسند 5 / 73 .