صديق الحسيني القنوجي البخاري

409

فتح البيان في مقاصد القرآن

العرب فلق اللّه الشيء بمعنى خلق ، ونقل الأزهري عن الزجاج جوازه والأول أولى . والحب هو الذي ليس فيه نوى كالحنطة والشعير والأرز وما أشبه ذلك ، والنوى جمع نواة يطلق على كل ما فيه عجم كالتمر والمشمش والخوخ ، والمعنى أنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ثم مر عليها زمان أظهر اللّه منهما ورقا أخضر ، ثم يخرج من ذلك الورق سنبلة يكون فيها الحب ، ويظهر من النواة شجرة صاعدة في الهواء وعروقا ضاربة في الأرض ، فسبحان من أوجد جميع الأشياء بقدرته وإبداعه وخلقه ، وتبارك اللّه أحسن الخالقين . يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ هذه الجملة خبر بعد خبر ، وقيل هي جملة مفسرة لما قبلها لأن معناها معناه ، والأول أولى فإن معنى ذلك يخرج الحيوان من مثل النطفة والبيضة وهي ميتة وَ معنى مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ مخرج النطفة والبيضة وهي ميتة من الحي ، وهذا قول الكلبي ومقاتل ، وهذا عطف جملة اسمية على فعلية ولا ضير في ذلك . قال قتادة : يخرج النخلة من النواة والسنبلة من الحبة ، ويخرج النواة من النخلة والحبة من السنبلة وقال مجاهد : الناس الأحياء تخرج من النطف والنطفة ميتة تخرج من الناس الأحياء ، قال الطبري : من الأنعام والنبات كذلك أيضا ، وقال ابن عباس : يخرج المؤمن من الكافر ، وبالعكس وبه قال الحسن ، وقيل الطائع من العاصي وبالعكس ، ولا مانع من حمل ذلك على الجميع بل اللفظ أوسع من ذلك ، وقيل المراد من الحي ما ينمو من الحيوان والنبات وإن لم يكن فيه روح ، والميت ما لا ينمو كالنطفة والحبة ولو كان أصل حيوان . ذلِكُمُ الإشارة إلى صانع ذلك الصنع العجيب المذكور سابقا و اللَّهَ خبره ، والمعنى أن صانع هذا الصنع العجيب هو المستجمع لكل كمال والمفضل بكل أفضال ، والمستحق لكل حمد وإجلال . فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان وعن الحق مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته ، قال ابن عباس : فكيف تكذبون ، وقال الحسن : أنى تصرفون ، وفيه دليل أيضا على صحة البعث بعد الموت لأن القادر على إخراج البدن من النطفة قادر على إخراجه من التراب للحساب . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 96 إلى 97 ] فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 97 ) فالِقُ الْإِصْباحِ بكسر الهمزة مصدر أصبح وبه قال الجمهور ، والظاهر أن الإصباح في الأصل مصدر سمي به الصبح وبفتحها جمع صبح ، والصبح والصباح