صديق الحسيني القنوجي البخاري
410
فتح البيان في مقاصد القرآن
أول النهار ، وكذا الإصباح قاله الزجاج والليث ، والمعنى أنه شاق عمود الضياء عن ظلام الليل وسواده أو يكون المعنى فالق ظلمة الإصباح وهي الغبش في آخر الليل الذي يلي الصبح ، قاله الكشاف ، أو فالق عمود الفجر إذا انصدع عن بياض النهار لأنه يبدو مختلطا بالظلمة ثم يصير أبيض خالصا ، وقيل المعنى خالق الإصباح والصبح هو الضوء الذي يبدو أول النهار ، قال ابن عباس : خلق الليل والنهار ويعني بالإصباح ضوء الشمس بالنهار ، وضوء القمر بالليل ، وقال إضاءة الفجر وقال قتادة فالق الصبح . وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً السكن محل السكون من سكن إليه إذا اطمأن إليه واستراح به ، لأنه يسكن فيه الناس عن الحركة في معاشهم ويستريحون من التعب والنصب ، قال قتادة : سكن فيه كل طير ودابة وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً أي الشمس والقمر مجعولان حسبانا معينا قال الأخفش : الحسبان جمع حساب مثل شهبان وشهاب ، وقال يعقوب ، حسبان مصدر حسبت الشيء أحسبه حسبا وحسبانا والحساب الاسم ، وقيل الحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح والحسبان بالكسر مصدر حسب . والمعنى جعلهما محل حساب يتعلق به مصالح العباد وسيرهما على تقدير لا يزيد ولا ينقص ليدل على عباده بذلك على عظيم قدرته وبديع صنعه ، وقيل الحسبان الضياء وفي لغة أن الحسبان النار ، ومنه قوله تعالى : يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ [ الكهف : 40 ] وقال ابن عباس : يعني عدد الأيام والشهور والسنين ، وقال الكلبي : منازلهما بحساب لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصاها لأن حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما . ذلِكَ الجعل المدلول عليه يجعل تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ القاهر الغالب الْعَلِيمِ كثير العلم ومن جملة معلوماته تسييرهما على هذا التدبير المحكم . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي خلقها للاهتداء بها في ظلمات الليل عند المسير في البحر والبر ، وإضافة الظلمات إلى البر والبحر لكونها ملابسة لهما أو المراد بالظلمات اشتباه طرقهما التي لا يهتدى فيها إلا بالنجوم ، وهذه إحدى منافع النجوم التي خلقها اللّه لها ومنها ما ذكره اللّه في قوله : وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ [ الصافات : 7 ] وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : 5 ] ومن زعم غير هذه الفوائد فقد أعظم على اللّه الفرية . وقيل يستدلون بها أيضا على القبلة على ما يريدون في النهار بحركة الشمس ، وفي الليل بحركة الكواكب ، وعن عمر بن الخطاب قال : تعلموا من النجوم ما تهتدون به في بركم وبحركم ثم أمسكوا فإنها واللّه ما خلقت إلا زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها ، وعن قتادة نحوه .