صديق الحسيني القنوجي البخاري

405

فتح البيان في مقاصد القرآن

تُبْدُونَها أي القراطيس المكتوبة وَتُخْفُونَ كَثِيراً مما كتبوه في القراطيس ومما أخفوه أيضا آية الرجم ، وكانت مكتوبة عندهم في التوراة . وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ الخطاب لليهود ويحتمل أن تكون هذه الجملة استئنافية مقررة لما قبلها والذي علموه هو الذي أخبرهم به نبينا صلى اللّه عليه وسلم من الأمور التي أوحى اللّه إليه فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم ولا على لسان أنبيائهم ولا علمه أنبياؤهم ، ويجوز أن تكون « ما » في ما لم تعلموا عبارة عما علموه من التوراة فيكون ذلك على وجه المن عليهم بإنزال التوراة . وقيل الخطاب للمشركين من قريش وغيرهم فتكون « ما » عبارة عما علموه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال الحسن : جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم فضيعوه ولم ينتفعوا به ، وقال مجاهد : هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علمهم على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والأول أولى ، وقال قتادة : هم اليهود آتاهم علما فلم يقتدوا به ولم يأخذوا به ، ولم يعملوا ، فذمهم اللّه في علمهم ذلك . ثم أمر اللّه رسوله بأن يجيب عن ذلك الإلزام الذي ألزمهم به حيث قال : من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى فقال : قُلْ أنزله اللَّهَ فإنهم لا يقدرون أن يناكروك ، وقيل قل أنت اللّه الذي أنزله ، والأول أولى . ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ أي في باطلهم وكفرهم باللّه حال كونهم يَلْعَبُونَ أي يصنعون صنع الصبيان الذين يلعبون ، وقيل معناه يسخرون ويستهزئون ، وفيه وعيد وتهديد بالمشركين وقيل هذا منسوخ بآية السيف ، وفيه بعد ظاهر . وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ هذا من جملة الرد عليهم في قولهم : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 91 ] أخبرهم بأن اللّه أنزل التوراة وعقبه بقوله : وَهذا كِتابٌ أنزله اللّه من عنده على محمد صلى اللّه عليه وسلم فكيف تقولون ما أنزل اللّه على بشر من شيء مُبارَكٌ كثير البركة والخير دائم النفع ، وأصل البركة النماء والزيادة مُصَدِّقُ أي كثير التصديق الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي ما أنزله اللّه من الكتب من السماء على الأنبياء من قبله كالتوراة والإنجيل ، فإنه يوافقها في الدعوة إلى اللّه وإلى توحيده وإن خالفها في بعض الأحكام . وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى خصها وهي مكة لكونها أعظم القرى شأنا ، ولكونها أول بيت وضع للناس ، ولكونها قبلة هذه الأمة ومحل حجهم ، قال قتادة : بلغني أن الأرض دحيت من مكة ولهذا سميت بأم القرى وقيل لأنها سرة الأرض ، والمراد بإنذارها إنذار أهلها وهو مستتبع لإنذار سائر أهل الأرض فهو على تقدير مضاف محذوف . وَمَنْ حَوْلَها يعني جميع البلاد والقرى شرقا وغربا ، وفيه دليل على عموم رسالته صلى اللّه عليه وسلم إلى أهل الأرض كافة .