صديق الحسيني القنوجي البخاري

406

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي أن من حق من صدق بالدار الآخرة أن يؤمن بهذا الكتاب ويصدقه ويعمل بما فيه ، لأن التصديق بالآخرة يوجب قبول من دعا الناس إلى ما ينال به خيرها ويندفع بها ضرها . وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ خص المحافظة على الصلاة من بين سائر الواجبات لكونها عمادها وبمنزلة الرأس لها ، وكونها أشرف العبادات بعد الإيمان باللّه تعالى ، فإذا كان العبد محافظا عليها حافظ على جميع العبادات والطاعات ، والمعنى يداومون عليها في أوقاتها ، والحاصل أن الإيمان بالآخرة يحمل على الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك يحمل على المحافظة على الصلاة . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 93 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ( 93 ) وَمَنْ أَظْلَمُ هذه الجملة مقررة لمضمون ما تقدم من الاحتجاج عليهم بأن اللّه أنزل الكتب على رسله أي كيف تقولون ما أنزل اللّه على بشر من شيء وذلك يستلزم تكذيب الأنبياء عليهم السلام ، ولا أحد أظلم وأعظم خطأ وأجهل فعلا مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فزعم أنه نبي وليس بنبي أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ عطف خاص على عام ، قاله أبو حيان أو عطف تفسير . والأحسن أنه من عطف المغاير باعتبار العنوان وتكون أو للتنويع ، وقد صان اللّه أنبياءه عما يزعمون عليهم ، وإنما هذا شأن الكذابين رؤوس الضلال كمسيلمة الكذاب ، ادعى النبوة باليمامة من اليمن ، والأسود العنسي صاحب صنعاء وسجاح . قال شرحبيل بن سعد : نزلت في عبد اللّه بن أبي سرح لما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم مكة فر إلى عثمان أخيه من الرضاعة فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة ثم استأمن له ، وقال ابن جريج : نزلت في مسيلمة الكذاب من ثمامة ونحوه ممن دعا إلى مثل ما دعا إليه ، وقيل في مسيلمة بن حبيب من بني حنيفة وكان صاحب نيرنجات وكهانة وسجع ادعى النبوة في اليمن . عن عكرمة قال : لما نزلت وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [ المرسلات : 1 ] قال النضر وهو من بني عبد الدار والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا قولا كثيرا فأنزل اللّه هذه الآية . وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ معطوف على من افترى أي ومن أظلم ممن افترى أو ممن قال أوحي إلي وممن قال سأنزل أي سآتي وأنظم وأجمع وأتكلم مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وهم القائلون لو نشاء لقلنا مثل هذا ، وقيل هو عبد اللّه بن أبي سرح فإنه كان يكتب