صديق الحسيني القنوجي البخاري
404
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 91 إلى 92 ] وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ( 91 ) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 92 ) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ قدرت الشيء وقدرته عرفت مقداره وأصله الستر ثم استعمل في معرفة الشيء أي لم يعرفوه حق معرفته حيث أنكروا إرساله للرسل وإنزاله للكتب قاله الأخفش ، وقيل المعنى وما قدروا نعم اللّه حق تقديرها ، قال ابن عباس : هم الكفار لم يؤمنوا بقدرة اللّه ، فمن آمن أن اللّه على كل شيء قدير قد قدر اللّه حق قدره ، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر اللّه حق قدره ، وقال مجاهد : قالها مشركو العرب ، وعنه قال ما عظموا اللّه حق عظمته ، وقال أبو العالية : ما وصفوا اللّه حق صفته ، ويصح جميع ذلك في معناه . إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قال ابن عباس : قالت اليهود يا محمد أأنزل اللّه عليك كتابا قال : نعم قالوا : واللّه ما أنزل اللّه من السماء كتابا ، وعن السدي قاله فنحاص اليهودي فنزلت ، وعن عكرمة قال : نزلت في مالك بن الصيف وعن سعيد بن جبير نحوه ، ولكن بأطول منه ، والمعنى الذين قالوا ذلك ما قدروا اللّه حق قدره ولا عرفوه حق معرفته ، إذ لو عرفوه لما قالوا هذه المقالة . ولما وقع منهم هذا الإنكار وهم من اليهود أمر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يورد عليهم حجة لا يطيقون دفعها فقال : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى . وهم يعترفون بذلك ويذعنون له ، وكان في من التبكيت لهم والتقريع ما لا يقادر قدره مع إلجائهم إلى الاعتراف بما أنكروه من وقوع إنزال اللّه على البشر وهم الأنبياء عليهم السلام ، فبطل جحدهم وتبين فساد إنكارهم ، وقيل : إن القائلين بهذه المقالة هم كفار قريش فيكون إلزامهم بإنزال اللّه الكتاب على موسى من جهة أنهم يعترفون بذلك ويعلمونه بالأخبار من اليهود وقد كانوا يصدقونهم . نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ أي التوراة ضياء من ظلمة الضلالة ، وبيان يفرق بين الحق والباطل من دينهم ، وذلك قبل أن تغير وتبدل تَجْعَلُونَهُ بالتاء والياء أي الكتاب الذي جاء به موسى في قَراطِيسَ أو ذا قراطيس أو نزلوه منزلة القراطيس ، وقد تقدم تفسير القرطاس أي يضعونه فيها ويكتبونه مقطعا وورقات مفرقة ليتم لهم ما يريدونه من التحريف والتبديل والإبداء والإخفاء وكتم صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم المذكورة فيه ، وهذا ذم لهم قال مجاهد هم اليهود .