صديق الحسيني القنوجي البخاري

395

فتح البيان في مقاصد القرآن

والوثن بمعنى ، وهو الذي يتخذ من خشب أو حجارة أو حديد أو ذهب أو فضة على صورة الإنسان أي أتجعلها آلِهَةً لك تعبدها من دون اللّه الذي خلقك ورزقك إِنِّي أَراكَ الرؤية إما علمية وإما بصرية ، والجملة تعليل للإنكار والتوبيخ وَقَوْمَكَ المتبعين لك في عبادة الأصنام فِي ضَلالٍ عن طريق الحق مُبِينٍ واضح بين لأن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع . وَكَذلِكَ أي مثل تلك الإراءة نُرِي إِبْراهِيمَ والجملة معترضة قيل كانت هذه الرؤية بعين البصر ، وقيل بعين البصيرة ومعنى نرى أريناه حكاية حال ماضية أي أريناه ذلك ، وقد كان آزر وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والشمس والقمر ، فأراد أن ينبههم على الخطأ وقيل : إنه ولد في سرب وجعل رزقه في أطراف أصابعه فكان يمصها ، وسبب جعله في السرب أن النمرود رأى رؤيا أن ملكه يذهب على يد مولود فأمر بقتل كل مولود . مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ملكهما وزيدت التاء والواو للمبالغة في الصفة ومثله الرغبوت والرهبوت ، مبالغة في الرغبة والرهبة قيل أراد بملكوتهما ما فيهما من الخلق ، وقيل عجائبهما وبدائعهما وقيل آياتهما ، وقيل كشف اللّه عن ذلك حتى رأى إلى العرش وإلى أسفل الأرضين ، وقيل رأى من ملكوتهما ما قصه اللّه في هذه الآية . قال ابن عباس : كشف ما بين السماوات حتى نظر إليهن على صخرة والصخرة على حوت وهو الحوت الذي منه طعام الناس ، والحوت في سلسلة والسلسلة في خاتم العزة . وقال مجاهد : سلطانهما ، وقيل المراد بملكوتهما الربوبية والإلهية أي نريه ذلك ونوفقه لمعرفته بطريق الاستدلال التي سلكها ، قال قتادة : ملكوت السماوات الشمس والقمر والنجوم ، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار . وهذه الأقوال لا تقتضي أن تكون الإراءة بصرية إذ ليس المراد بإراءة ما ذكر من الأمور الحسية مجرد تمكينه عليه السلام من إبصارها ومشاهدتها في أنفسها ، بل اطلاعه على حقائقها وتعريفها من حيث دلالتها على شؤونه عز وجل ، ولا ريب في أن ذلك ليس مما يدرك حسا كما ينبئ عنه اسم الإشارة المفصح عن كون المشار إليه أمرا بديعا فإن الإراءة البصرية المعتادة بمعزل من تلك المثابة . وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ أي ليستدل به ويكون من أهل اليقين عيانا كما أيقن بيانا واليقين عبارة عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة ، قال ابن عباس : جلاله الأمر سرا وعلانية فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق ، أو المعنى أريناه ذلك ليكون ممن يوقن علم كل شيء حسا وخبرا .