صديق الحسيني القنوجي البخاري

396

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 76 إلى 78 ] فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ أي ستره اللَّيْلُ بظلمنته ومنه الجنة والمجن والجن كله من الستر أي واذكر إذ جن الليل ، يقال جن الليل وأجن إذا أظلم وغطى كل شيء وهذه قصة أخرى غير قصة عرض الملكوت عليه رَأى كَوْكَباً قيل رأى من شق الصخرة الموضوعة على رأس السرب الذي كان فيه ، وقيل رآه لما أخرجه أبوه من السرب وكان وقت غيبوبة الشمس ، وقيل رأى المشتري وقيل الزهرة . قالَ هذا رَبِّي جملة مستأنفة كأنه قيل فماذا قال عند رؤية الكوكب قيل وكان هذا منه عند قصور النظر لأنه في زمن الطفولية وقيل كان بعد بلوغ إبراهيم ، وعليه جمهور المحققين . ثم اختلف في تأويل هذه الآية فقيل أراد قيام الحجة على قومه كالحاكي لما هو عندهم وما يعتقدونه لأجل إلزامهم ، وقيل معناه أهذا ربي ؟ أنكر أن يكون مثل هذا ربا ، ومثله قوله تعالى : أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [ الأنبياء : 34 ] أي أفهم الخالدون ؟ وقيل المعنى وأنتم تقولون هذا ربي فأضمر القول وقيل المعنى على حذف مضاف أي هذا دليل ربي . فَلَمَّا أَفَلَ أي غرب وغاب ، والأفول غيبة النيرات قالَ إبراهيم لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ يعني لا أحب ربا يغيب ويطلع فإن الغروب تغير من حال إلى حال ، وهو دليل الحدوث فلم ينجع فيهم ذلك . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً أي طالعا منتشر الضوء يقال بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع ، والبزغ الشق كأنه يشق بنوره الظلمة قالَ لهم أ هذا رَبِّي بزعمكم وقد تقدم الكلام فيه . فَلَمَّا أَفَلَ أي غاب قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي أي لئن لم يثبتني على الهداية ويوفقني للحجة ، وليس المراد أنه لم يكن مهتديا لأن الأنبياء لم يزالوا على الهداية من أول الفطرة ، وفي الآية دليل على أن الهداية من اللّه تعالى لأن إبراهيم أضاف الهداية إليه سبحانه وتعالى لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ الذين لا يهتدون للحق فيظلمون أنفسهم ويحرمونها حظها من الخير . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً الرؤية بصرية قالَ هذا رَبِّي وإنما قال هذا مع كون الشمس مؤنثة لأن مراده هذا الطالع قاله الكسائي والأخفش ، وقيل هذا الضوء وقيل الشخص وقيل لأن تأنيث الشمس غير حقيقي هذا أَكْبَرُ أي مما تقدمه من