صديق الحسيني القنوجي البخاري
391
فتح البيان في مقاصد القرآن
ومنه أبسلت ولدي أي رهنته في الدم ، لأن عاقبته ذلك الهلاك ، وأصل الإبسال والبسل في اللغة التحريم والمنع ، يقال هذا عليك بسل أي حرام ممنوع ، ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه أو لأنه ممتنع ، والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه ، وهذا بسيل عليك أي ممنوع . قال أبو عبيد : المتبسل الذي يسلم نفسه على الموت أو الضرب وإن استبسل أي أن يطرح نفسه في الحرب ويريد أن يقتل ، فالمعنى وذكر به خشية أو مخافة أو كراهة أن تهلك نفس بِما كَسَبَتْ أي ترتهن وتسلم للهلكة وتحبس في جهنم وتحرم من الثواب بسبب ما كسبت من الآثام . وعن ابن عباس : أن تبسل أن تفضح وأبسلوا فضحوا وقال قتادة : تحبس في جهنم وقال الضحاك : تحرق بالنار وقال ابن زيد : تؤخذ به . لَيْسَ لَها أي لتلك النفس التي هلكت مِنْ دُونِ اللَّهِ من لابتداء الغاية وقيل : إنها زائدة نقله ابن عطية وليس بشيء ، والأول أظهر وَلِيٌّ قريب ناصر يلي أمرها وَلا شَفِيعٌ يشفع في الآخرة ويمنع عنها العذاب . وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ العدل هنا الفدية والمعنى وإن بذلت تلك النفس التي سلمت للهلاك كل فدية لا يُؤْخَذْ مِنْها ذلك العدل حتى تنجو به من الهلاك أُولئِكَ أي المتخذون دينهم لعبا ولهوا وهو مبتدأ ، وخبره الَّذِينَ أُبْسِلُوا أي أسلموا للهلاك بِما كَسَبُوا أي بجرائرهم . وجملة لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ مستأنفة كان قيل كيف هؤلاء فقيل لهم شراب ، الآية وهو الماء الحار البالغ نهاية الحرارة ومثله قوله تعالى : يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ [ الحج : 19 ] وهو هنا شراب يشربونه فيقطع إمعاءهم وَعَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي بسبب كفرهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 71 إلى 72 ] قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 71 ) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 72 ) قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا أمره اللّه سبحانه بأن يقول لهم هذه المقالة ، والاستفهام للتوبيخ أي كيف ندعو من دون اللّه أصناما لا تنفعنا بوجه من الوجوه إن أردنا منها نفعا ، ولا نخشى ضرها بوجه من الوجوه ، ومن كان هكذا فلا يستحق للعبادة . وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا جمع عقب أي كيف ندعو من كان كذلك ونرجع إلى الضلالة التي أخرجنا اللّه منها ، قال أبو عبيدة : يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها قد رد على عقبيه ، وقال المبرد : تعقب بالشر بعد الخير ، وأصله من المعاقبة والعقبى