صديق الحسيني القنوجي البخاري

390

فتح البيان في مقاصد القرآن

قيل : وهذا الترخيص كان في أول الإسلام ، وإن الوقت وقت تقية ثم نزل قوله تعالى : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [ النساء : 140 ] فنسخ ذلك ، والحق أنها محكمة بإجماع أهل العلم خلافا للكلبي كما تقدم في سورة النساء . عن عمر بن عبد العزيز : أنه أتي بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم فضربه وقال : لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره وقيل مجالستهم مباحة بشرط الوعظ والنهي عن المنكر . وَلكِنْ ذِكْرى قال الكسائي : المعنى ولكن هذه ذكرى ، والمعنى على الاستدراك من النفي السابق أي ولكن عليهم الذكر للكافرين بالموعظة والبيان لهم بأن ذلك لا يجوز ، أما على التفسير الأول فلأن مجرد اتقاء مجالس هؤلاء الذين يخوضون في آيات اللّه لا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما على التفسير الثاني فالترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير ، وفيه وجوه أخرى . لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الخوض في آيات اللّه إذا وقعت منكم الذكرى لهم ، وأما جعل الضمير للمتقين فبعيد جدا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 70 ] وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 70 ) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ أي اترك هؤلاء الذين اتخذوا الدين الذي كان يحق عليهم العمل به والدخول فيه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لَعِباً وَلَهْواً حيث سخروا به واستهزؤوا فيه ، فلا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت وإن كنت مأمورا بإبلاغهم الحجة ، وقيل هذه الآية منسوخة بآية القتال ، وقيل المعنى أنهم اتخذوا دينهم الذي هم عليه لعبا ولهوا كما في فعلهم بالأنعام من تلك الجهالات والضلالات المتقدم ذكرها . وقيل المراد بالدين هنا العيد أي اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا قال قتادة أي أكلا وشربا وكذا من جعل طريقته الخمر والزمر والرقص ونحوه ، وفي البيضاوي بنوا أمر دينهم على التشهي وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع عاجلا وآجلا كعبادة الصنم وتحريم البحائر والسوائب ، والمعنى أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم ، وقال مجاهد : هو مثل قوله : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [ المدثر : 11 ] يعني أنه للتهديد ، وعلى هذا تكون الآية محكمة . وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا حتى آثروها على الآخرة وأنكروا البعث وقالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [ المؤمنون : 37 ] وَذَكِّرْ بِهِ أي بالقرآن أو بالحساب أي ل أَنْ لا تُبْسَلَ نَفْسٌ الإبسال تسليم المرء نفسه للهلاك