صديق الحسيني القنوجي البخاري

389

فتح البيان في مقاصد القرآن

القدم في علم الكتاب والسنة ، فإنه ربما ينفق عليه من كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح مكان ، فينقدح في قلبه ما يصعب علاجه ويعسر دفعه فيعمل بذلك مدة عمره ويلقى اللّه به معتقدا أنه من الحق وهو من أبطل الباطل وأنكر المنكر . قال ابن عباس : أمر اللّه المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين اللّه ، وعن أبي جعفر قال : لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات اللّه ، وعن محمد بن علي قال : إن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات اللّه . وقال مقاتل : كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم خاضوا واستهزؤوا فقال المسلمون : لا يصلح لنا مجالستهم ، نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فأنزل اللّه هذه الآية ، وقال السدي : إن هذه الآية منسوخة بآية السيف ولا يصح . وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فقعدت معهم فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى أي إذا ذكرت فقم عنهم ولا تقعد مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي المشركين ، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر نعيا عليهم أنهم بذلك الخوض واضعون للتكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم راسخون في ذلك . قال مجاهد : نهى محمد صلى اللّه عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر فليقم وذلك قول اللّه يعني هذه الآية ، وعن ابن سيرين : أنه كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء . وقرئ بتشديد السين والمعنى إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فلا تقعد إذا ذكرت مع الذين ظلموا أنفسهم بالاستهزاء بالآيات والتكذيب بها ، قيل وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للنبي صلى اللّه عليه وسلم فالمراد التعريض لأمته لتنزهه عن أن ينسيه الشيطان ، وقيل لا وجه لهذا فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة : « إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني » « 1 » ، ونحو ذلك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 69 ] وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 69 ) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات اللّه مِنْ حِسابِهِمْ أي الكفار مِنْ شَيْءٍ وقيل المعنى ما على الذين يتقون ما يقع منهم من الخوض في آيات اللّه في مجالستهم لهم من شيء ، وعلى هذا التفسير ففي الآية الترخيص للمتقين في مجالسة الكافر إذا اضطروا إلى ذلك .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة باب 31 ، ومسلم في المساجد حديث 89 ، وأبو داود في الصلاة باب 190 ، والنسائي في السهو باب 25 ، وابن ماجة في الإقامة باب 133 .