صديق الحسيني القنوجي البخاري
388
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 67 إلى 68 ] لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 67 ) وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 ) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ أي لكل شيء وقت يقع فيه والنبأ الشيء الذي ينبأ عنه ، وقيل المعنى لكل عمل جزاء ، وقال ابن عباس : لكل نبأ حقيقة قال الزجاج : يجوز أن يكون وعيدا لهم بما ينزل بهم في الدنيا ، وقال الحسن : هذا وعيد من اللّه للكفار لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث ، قال السدي : فكان نبأ القوم استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب . وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ذلك في الدنيا بحصوله ونزوله بكم ، وقد علموا يوم بدر بحصول ما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يتوعدهم به أو في الآخرة أو فيهما معا ، وسوف للتأكيد كما في قوله تعالى : وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ ص : 88 ] . وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له ، والخوض أصله في اللغة هو الشروع في الماء والعبور فيه ثم استعمل في غمرات الأشياء التي هي مجاهل شبهها بغمرات الماء فاستعير من المحسوس للمعقول ، وقيل هو مأخوذ من الخلط وكل شيء خضته فقد خلطته ، ومنه خاض الماء بالعسل خلطه والمعنى وإذا رأيت الذين يخوضون في القرآن بالتكذيب والرد والاستهزاء . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي فدعهم ولا تقعد معهم بسماع مثل هذا المنكر العظيم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي مغاير له ، الضمير للآيات والتذكير باعتبار كونها قرآنا أو باعتبار كونها حديثا فإن وصف الحديث بمغايرتها يشير إلى اعتبارها بعنوان الحديثية ، أمره اللّه سبحانه بالإعراض عن أهل المجالس التي يستهان فيها بآيات اللّه إلى غاية هي الخوض في غير ذلك . وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام اللّه ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله ، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وتقليداتهم الفاسدة وبدعهم الكاسدة فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم وذلك يسير عليه غير عسير ، وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهة يشبهون بها على العامة فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر . وقد شاهدنا من هذه المجالس الملعونة ما لا يأتي عليه الحصر ، وقمنا في نصرة الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه وبلغت إليه طاقتنا ، ومن عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من المفسدة أضعاف أضعاف ما في مجالسة من يعصي اللّه بفعل شيء من المحرمات ، ولا سيما لمن كان غير راسخ