صديق الحسيني القنوجي البخاري

387

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ أي يصيب بعضكم بشدة بعض من قتل وأسر ونهب ، وقال ابن زيد : هو الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء وسفك بعضهم دماء بعض انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي نبين لهم الحجج والدلالات من وجوه مختلفة لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ الحقيقة فيعودون إلى الحق الذي بيناه لهم ببيانات مختلفة متنوعة . أخرج البخاري وغيره عن جابر بن عبد اللّه قال : لما نزلت هذه الآية قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أعوذ بوجهك أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال أعوذ بوجهك أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال هذا أهون أو أيسر » « 1 » . وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيره في حديث طويل عن ثوبان وفيه : « وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها » « 2 » . وأخرج مسلم وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال : « سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة ، سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها ، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها » « 3 » . وأخرج أحمد والترمذي وحسّنة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أما إنها كائنة - ولم يأت تأويلها بعد » « 4 » . والأحاديث في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية . وَكَذَّبَ بِهِ الضمير راجع إلى القرآن أو إلى الوعيد المتضمن في هذه الآيات المتقدمة أو إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وفيه بعد ، لأنه خوطب بالكاف عقيبه وادعاء الالتفات فيه أبعد ، أو إلى العذاب ، قاله الزمخشري : قَوْمُكَ المكذبون هم قريش وقيل كل معاند أي كذبوا به وَهُوَ الْحَقُّ أي في كونه كتابا منزلا من عند اللّه أو لأنه واقع لا محالة . قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي بحفيظ على أعمالكم حتى أجازيكم عليها قيل وهذه الآية منسوخة بآية القتال وقيل ليست بمنسوخة إذ لم يكن إيمانهم في وسعه .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 6 ، باب 2 ، والاعتصام باب 11 ، والترمذي في تفسير سورة 6 ، باب 2 ، وأحمد في المسند 3 / 309 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الفتن باب 14 ، وابن ماجة في الفتن باب 9 ، وأحمد في المسند 5 / 135 ، 248 . ( 3 ) أخرجه مسلم في الفتن باب 20 ، وابن ماجة في الفتن باب 9 ، 22 ، ومالك في القرآن حديث 35 ، وأحمد في المسند 5 / 240 ، 243 ، 247 ، 248 . ( 4 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 6 ، باب 2 .