صديق الحسيني القنوجي البخاري
381
فتح البيان في مقاصد القرآن
باعتبار المعنى ، وهذه الجملة إما حالية بتقدير قد أي والحال أن قد كذبتم به أو جملة مستأنفة مبنية لما هم عليه من التكذيب بما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الحجج الواضحة والبراهين البينة . ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أخبرهم بأنه لم يكن عنده ما يتعجلون به من العذاب فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء نحو قولهم : أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [ الإسراء : 92 ] وقولهم : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [ الأنفال : 32 ] وقولهم : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ يونس : 48 ] وقيل كانوا يستعجلون بالآيات التي اقترحوها وطلبوها وقيل كانوا يستعجلون بقيام الساعة ومنه قوله تعالى : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها [ الشورى : 18 ] . إِنِ أي ما الْحُكْمُ في شيء إِلَّا لِلَّهِ سبحانه وحده ليس معه حاكم ، ومن ذلك ما تستعجلون به من العذاب أو الآيات المقترحة والمراد الحكم الفاصل بين الحق والباطل يَقُصُّ هو من القصص أي يقص القصص الْحَقَّ أو من قص أثره أي يتبع الحق فيما يحكم به ، وقرىء يقضي بالضاد المعجمة والياء من القضاء أي يقضي القضاء الحق بين عباده وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ بين الحق والباطل بما يقضي به بين عباده ويفصله لهم في كتابه . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 58 إلى 59 ] قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ( 58 ) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 59 ) ثم أمره اللّه سبحانه أن يقول لهم : قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ الاستعجال المطالبة بالشيء قبل وقته فلذلك كانت العجلة مذمومة ، والإسراع تقديم الشيء في وقته فلذلك كانت السرعة محمودة والمعنى ما تطلبون تعجيله بأن يكون إنزاله بكم مقدور إليّ وفي وسعي . لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي لقضى اللّه الأمر بيننا بأن ينزله اللّه سبحانه بكم بسؤالي له وطلبي ذلك أو لو كان العذاب عندي وفي قبضتي لأنزلته بكم وعند ذلك يقضى الأمر بيني وبينكم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ وبالوقت الذي ينزل فيه عذابهم يوما يقتضيه مشيئته من تأخيره استدراجا لهم وإعذارا إليهم . وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ جمع مفتح بالفتح وهو المخزن أي عنده مخازن الغيب ، جعل للأمور الغيبية مخازن يخزن فيها على طريق الاستعارة أو جمع مفتح بكسر الميم