صديق الحسيني القنوجي البخاري
372
فتح البيان في مقاصد القرآن
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ أي لا تدعون غيره بل إياه تخصون بالدعاء في كشف ما نزل بكم فَيَكْشِفُ عنكم ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ أي إلى كشفه من الضر ونحوه إِنْ شاءَ أن يكشفه عنكم لا إذا لم يشأ ذلك وَتَنْسَوْنَ عند أن يأتيكم العذاب ما تُشْرِكُونَ به تعالى أي ما تجعلونه شريكا له من الأصنام ونحوها فلا تدعونها ولا ترجون كشف ما بكم منها بل تعرضون عنها إعراض الناسي ، قاله الحسن وقال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى وتتركون ما تشركون . وَلَقَدْ أَرْسَلْنا كلام مبتدأ مسوق لتسلية النبي صلى اللّه عليه وسلم إِلى أُمَمٍ كائنة مِنْ قَبْلِكَ رسلا فكذبوهم . فَأَخَذْناهُمْ أي عاقبناهم بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ أي البؤس والضرر قال سعيد بن جبير : خوف السلطان وغلاء السعر ، وقيل شدة الجوع ، وقيل المكروه ، وقيل الفقر الشديد ، وأصله من البؤس وهو الشدة وقيل البأساء المصائب في الأموال ، والضراء المصائب في الأبدان من الأمراض والأوجاع والزمانة ، وبه قال الأكثر وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما على أفعل كما هو القياس ، فإنه لم يقل أضرر ولا أبأس صفة بل للتفضيل قاله الشهاب لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ أي يدعون اللّه بضراعة وهي الذل يقال ضرع فهو ضارع ، وهذا الترجي بحسب عقول البشر . فَلَوْ لا أي فهلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا لكنهم لم يتضرعوا مع قيام المقتضي له وهو البأساء والضراء ، وهذا عتاب لهم على ترك الدعاء في كل الأحوال حتى عند نزول العذاب بهم لشدة تمردهم وغلوهم في الكفر ، ويجوز أن يكون المعنى أنهم تضرعوا عند أن نزل بهم العذاب وذلك تضرع ضروري لم يصدر عن إخلاص فهو غير نافع لصاحبه ، والأول أولى كما يدل عليه . وَلكِنْ قَسَتْ أي صلبت وغلظت فلم تضرع ولم تخشع قُلُوبُهُمْ واستمرت على ما هي عليه من القساوة ولم تلن للإيمان ، وهذا استدراك وقع بين الضدين قال أبو السعود : فهذا من أحسن مواقع الاستدراك . وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي أغواهم بالتصميم على الكفر والاستمرار على المعاصي ، والجملة استئنافية أخبر تعالى عنهم بذلك أو داخلة في حيز الاستدراك وهو الظاهر ، وهذا رأي الزمخشري فإنه قال : لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا قسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم . فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي تركوا ما وعظوا به وأعرضوا عنه لأن النسيان لو كان على حقيقته لم يؤاخذوا به إذ ليس هو من فعلهم ، وبه قال ابن عباس وأبو علي