صديق الحسيني القنوجي البخاري
373
فتح البيان في مقاصد القرآن
الفارسي ، قال ابن جريج : ما دعاهم اللّه إليه ورسله أبوه وردوه عليهم ، والمعنى أنهم لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء وأعرضوا عن ذلك فَتَحْنا بالتخفيف والتشديد سبعيتان عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي استدرجناهم بفتح أبواب كل نوع من أنواع الخير عليهم ، وبدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة في الرزق والعيش ، ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام ، قال مجاهد : يعني رخاء الدنيا ويسرها ، ونحوه عن قتادة . حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الخير والرزق على أنواعه والسعة والرخاء والمعيشة والصحة وأعجبوا بذلك وظنوا أنهم إنما أعطوه لكون كفرهم الذي هم عليه حقا وصوابا . وهذا فرح بطر وأشر كما فرح قارون لما أوتي من الدنيا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وهم غير مترقبين لذلك والبغتة الأخذ على غرة من غير تقدمة أمارة وهي مصدر في موضع الحال لا يقاس عليه غيره عند سيبويه . قال محمد بن النصر الحارثي : أمهلوا عشرين سنة ولا يخفى أن هذا مخالف لمعنى البغتة لغة ومحتاج إلى نقل عن الشارع ، وإلا فهو كلام لا طائل تحته ، قال الحسن مكر بالقوم ورب الكعبة ، وقال أهل المعاني : إنما أخذوا في حال الرخاء والسلامة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال العافية والتصرف في ضروب اللذة فأخذناهم في آمن ما كانوا ، وأعجب ما كانت الدنيا إليهم . فَإِذا هي الفجائية قال سيبويه إنها ظرف مكان ، وقال جماعة منهم الراسي إنها ظرف زمان ومذهب الكوفيين أنها حرف هُمْ مُبْلِسُونَ أي مهلكون في مكان إقامتهم أو في زمانها قاله السدي ، والمبلس الحزين الآيس من الخير لشدة ما نزل به من سوء الحال ومن ذلك اشتق اسم إبليس يقال أبلس الرجل إذا سكت وأبلست الناقة إذا لم ترع . والمعنى فإذا هم محزونون متحيرون آيسون من الفرح ، قال ابن زيد : المبلس المجهود المكروب الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه ، والمبلس أشد من المستكين وقال الفراء : هو اليائس المنقطع رجاؤه ، وقال أبو عبيدة : هو النادم الحزين ، والإبلاس هو الإطراق من الحزن والندم . وعن عقبة بن عامر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا رأيت اللّه يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك استدراج » « 1 » ثم تلا يعني هذه الآية ذكره البغوي بلا سند ، وأسنده الطبري وغيره . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 45 إلى 47 ] فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 )
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 145 .