صديق الحسيني القنوجي البخاري

362

فتح البيان في مقاصد القرآن

الأولين في التمني ، وقرأ أبي ولا نكذب بآيات ربنا أبدا . وقرأ هو وابن مسعود فلا نكذب بالفاء والنصب ، والفاء ينصب بها في جواب التمني كما ينصب بالواو كما قال الزجاج ، وقال أكثر البصريين لا يجوز الجواب إلا بالفاء . بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ هذا إضراب عما يدل عليه التمني من الوعد بالإيمان والتصديق أي لم يكن ذلك التمني منهم عن صدق نية وخلوص اعتقاد ، بل هو بسبب آخر وهو أنه بدا لهم ما كانوا يجحدون من الشرك وعرفوا أنهم هالكون بشركهم فعدلوا إلى التمني والمواعيد الكاذبة ، وقيل ما كانوا يخفون من النفاق والكفر بشهادة جوارحهم عليهم . وقيل ما كانوا يكتمون من أعمالهم القبيحة كما قال تعالى : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] وقال المبرد : بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه وهو مثل القول الأول ، وقيل المعنى أنه ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كانوا يخفونه عنهم من أمر البعث والقيامة . وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا حسبما تمنوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من القبائح التي رأسها الشرك كما عاين إبليس ما عاين من آيات اللّه ثم عاند - عن قتادة قال : لو وصل اللّه لهم دنيا كدنياهم التي كانوا فيها لعادوا إلى أعمالهم السوء التي كانوا نهوا عنها ، وقال ابن عباس : أخبر اللّه سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى أي ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حيل بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا . وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي متصفون بهذه الصفة لا ينفكون عنها بحال من الأحوال ولو شاهدوا ما شاهدوا ، وقيل كاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من الصدق والإيمان . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 29 إلى 30 ] وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 30 ) وَقالُوا إِنْ ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أي ليس لنا غير هذه التي نحن فيها وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى أبرزوها محصورة في نفي وإثبات وهي ضمير مبهم يفسره خبره أي لا يعلم ما يراد به إلا بذكر خبره وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظا ورتبة ، قال السمين وهذا من شدة تمردهم وعنادهم حيث يقولون هذه المقالة على تقدير أنهم رجعوا إلى الدنيا بعد مشاهدتهم للبعث . وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قد تقدم تفسيره أي حبسوا على ما يكون من أمر ربهم فيهم ، وقيل على بمعنى عند ، وقال مقاتل : عرضوا على ربهم وجواب لو