صديق الحسيني القنوجي البخاري
363
فتح البيان في مقاصد القرآن
محذوف أي لشاهدت أمرا عظيما ، وقيل : إنه من باب المجاز لأنه كناية عن الحبس للتوبيخ كما يوقف العبد بين يدي سيده ليعاتبه ، ذكر ذلك الزمخشري . والاستفهام في قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ للتقريع والتوبيخ أي أليس هذا البعث الذي تنكرونه كائنا موجودا وهذا الجزاء الذي تجحدونه حاضرا والجملة مستأنفة أو حالية كأنه قيل وقفوا عليه قائلا لهم أليس الخ قالُوا بَلى وَرَبِّنا اعترفوا بما أنكروا وأكدوا اعترافهم بالقسم قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ الذي تشاهدونه وهو عذاب النار ، وإنما خص لفظ الذوق لأنهم في حال يجدون ألم العذاب وجدان الذائق في شدة الإحساس بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي بسبب جحدكم وكفركم بالبعث بعد الموت أو بكل شيء مما أمرتم بالإيمان به في دار الدنيا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 31 إلى 32 ] قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 31 ) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 32 ) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ هم الذين تقدم ذكرهم وحكيت أحوالهم والمراد تكذيبهم بالجزاء والأول أولى لأنهم الذين قالوا قريبا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ، وهذا الخسران هو فوت الثواب العظيم في دار النعيم المقيم ، وحصول العذاب الأليم في دركات الجحيم . حَتَّى غاية للتكذيب لا للخسران فإنه لا غاية له إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ القيامة وسميت ساعة لسرعة الحساب فيها أو لأنها تفجأ الناس بَغْتَةً أي فجأة في ساعة لا يعلمها أحد إلا اللّه ، يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة ، قال سيبويه : وهي مصدر ولا يجوز أن يقاس عليه فلا يقال جاء فلان سرعة والبغت والبغتة مفاجأة الشيء بسرعة من غير اعتداد له ولا جعل بال منه ، حتى لو استشعر الإنسان به ثم جاء بسرعة لا يقال فيه بغتة . والألف واللام في الساعة للغلبة كالنجم والثريا لأنها غلبت على يوم القيامة وقيل المراد بالساعة وقت مقدمات الموت فالكلام على حذف المضاف أي جاءتهم مقدمات الساعة وهي الموت وما فيه من الأهوال ، وقيل وهذا التحسر وإن كان يعتريهم عند الموت لكن لما كان الموت من مبادي الساعة سمي باسمها ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من مات فقد قامت قيامته » والأول أظهر . قالُوا أي منكرو البعث وهم كفار قريش . ومن سلك سبيلهم في الكفر والاعتقاد يا حَسْرَتَنا أوقعوا النداء على الحسرة وليست بمنادى في الحقيقة ليدل ذلك على كثرة تحسرهم ، والمعنى يا حسرتنا احضري فهذا أوانك وكذا قال سيبويه